4

مقاومة السيجارة الإلكترونية

رِن ــ لعل مايكل راسيل وموراي جارفيك، وهما من رواد أبحاث الإقلاع عن التدخين في سبعينيات القرن العشرين، كانا ليرحبا باختراع السيجارة الإلكترونية أو "مبخار النيكوتين الشخصي". فإلى جانب عملها كوسيلة مؤقتة لمساعدة الأشخاص الذين يحاولون الإقلاع عن تدخين السجائر، فإن أنظمة تسليم النيكوتين الجديدة مثل هذه من الممكن أن تعمل كبدائل طويلة الأجل للتبغ ــ الأمر الذي يجعل من الممكن القضاء على استهلاك التبغ بشكل كامل تقريبا.

لقد علمنا منذ وقت طويل أن الناس يدخنون طلباً للنيكوتين، ولكنهم يموتون بسبب الدخان. والواقع أن الغالبية العظمى من الأمراض والوفيات المرتبطة بالسجائر تنشأ من استنشاق جزيئات القطران والغازات السامة، بما في ذلك أول أكسيد الكربون. ورغم أن العلاج ببدائل النيكوتين ساعد العديد من المدخنين على الإقلاع، فإن عادة تدخين السجائر تظل منتشرة في العديد من البلدان.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

إن استخدام النيكوتين في أشكال غير قابلة للاشتعال مثل التبغ الذي لا يدخن، أو مبخار النيكوتين الشخصي، من شأنه أن يمكن الملايين من المدخنين الحاليين من التقليل إلى حد كبير من الضرر الذي يحدثه استهلاك النيكوتين بصحتهم. ففي السويد، ساهم الاستخدام الواسع الانتشار لتبغ السنوس (snus) ــ نوع لا يدخن من التبغ ينتج بتركيز أقل من مادة النتروزامين المسرطنة ــ في تراجع كبير في حالات الإصابة بسرطان الرئة، إلى أدنى المستويات في العالم.

إن فوائد التخلص التدريجي من استهلاك التبغ شديدة الإقناع. ولهذا السبب فلابد من الترويج النشط لوسائل مثل السيجارة الإلكترونية كبديل لمنتجات التبغ، بالاستعانة بموافقات من السلطات الصحية، وتقديم مزايا ضريبية، فضلاً عن الدعم من حركة مكافحة التدخين.

بيد أن أياً من هذا لم يحدث حتى الآن، ويرجع هذا بدرجة كبيرة إلى اعتبار النيكوتين مادة سامة مسببة للإدمان، مع تردد حتى المدخنين في تجربة العلاج ببدائل النيكوتين أو مبخار النيكوتين الشخصي لهذا السبب. والواقع أن النيكوتين كان الهدف الرئيسي لحملات مكافحة التبغ لأكثر من ثلاثة عقود من الزمان.

ولكن النيكوتين مسؤول بشكل جزئي فقط عن الاعتماد على التبغ. فهناك مواد أخرى من دخان التبغ ــ مثل مثبطات الأكسيداز الأحادي الأمين، والتي تخلف تأثيراً مضاداً للاكتئاب ــ تعمل على تعزيز الاعتماد على التبغ، ولكنها تغيب عن النيكوتين المبخر. وربما لهذا السبب تشير استطلاعات مستخدمي مبخار النيكوتين الشخصي إلى أن النيكوتين أقل إحداثاً للإدمان في هيئته المتبخرة.

والواقع أن النيكوتين عقار آمن نسبياً بالجرعات التي يستنشقها المدخن، وتأثيره مماثل لتأثير الكافايين. وعلاوة على ذلك فإن المدخنين ومستخدمي مبخار النيكوتين الشخصي قادرون على التحكم بدقة، على أساس سحبة بسحبة، في جرعة النيكوتين التي يستهلكونها، وهو ما يستبعد فعلياً خطر الجرعة الزائدة.

الواقع أن الجرعة القاتلة من النيكوتين أعلى كثيراً من 30 إلى 60 مليجرام كما تدعي العديد من الأبحاث العلمية. فبعد استعراض تقارير حالات التسمم ومحاولات الانتحار بالنيكوتين، وجد الصيدلاني بيرند ماير أن الجرعة القاتلة من النيكوتين في البشر لابد أن تكون بين 500 إلى 1000 مليجرام من النيكوتين الممتص ــ وليس الذي يتناوله المتعاطي. ولأن التقيؤ أحد أول أعراض التسمم، وأن 70% من النيكوتين المتبقي في الجهاز الهضمي يستقلب بواسطة الكبد قبل أن يصل إلى أجهزة الجسم الأخرى، فإن امتصاص ذلك القدر الكبير من النيكوتين ليس بالأمر السهل.

وبهذا الحد الأدنى من المخاطر الصحية مقارنة بتدخين التبغ فإن استخدام مبخار النيكوتين الشخصي يواجه عائقاً حقيقياً واحدا: استعداد المدخنين للتبديل. ولكن حتى على هذه الجبهة، سجل الجهاز نجاحاً كبيرا، حيث تزايد استخدام مبخار النيكوتين الشخصي بشكل مضطرد في السنوات القليلة الأخيرة.

ورغم أن الناس في عالم مثالي يمكنهم ببساطة الإقلاع عن استخدام النيكوتين تماما، فإن التجارب تشير إلى أن العديد من المدخنين يعجزون عن ــ أو لا يرغبون في ــ الإقلاع عنه، وسوف يستمرون في التدخين في حالة غياب بدائل آمنة ومقبولة. وإذا كان المدخنون على استعداد لتقبل وسيلة مثل مبخار النيكوتين الشخصي (السيجارة الإلكترونية) كخيار ممكن، فإن استخدام التبغ المحفوف بالمخاطر من الممكن أن يصبح شيئاً من الماضي.

حتى الآن، كان زمام المبادرة بأيدي المدخنين المتحولين في الترويج للتحول إلى السجائر الإلكترونية، والذين يتقاسمون تجاربهم مع الناس على المنتديات وصفحات فيسبوك وتويتر على شبكة الإنترنت. فهم ينشرون الخبر بأن الناس لأول مرة في التاريخ أصبحوا قادرين على الإقلاع عن التدخين والتخلي عن المتعة التي يستمدونها من النيكوتين.

ولكن في الوقت نفسه، تبنت السلطات الصحية والحكومات نهجاً قائماً على الخوف، فسارعت إلى تنظيم ــ أو حتى حظر ــ السجائر الإلكترونية. وتخطط توجيهات منتجات التبغ، وهيئة تنظيم الأدوية ومنتجات الرعاية الصحية في المملكة المتحدة لفرض قيود تنظيمية صارمة على بيع واستخدام السجائر الإلكترونية، استناداً إلى التشريعات الخاصة بالعقاقير، حتى برغم أن هذه الأجهزة لا تستخدم التبغ ولا هي منتجات طبية. وحتى منظمة الصحة العالمية أطلقت تقريراً يعرب عن قلقها الشديد إزاء تسويق واستخدام أنظمة تسليم النيكوتين الإلكترونية.

إن هذه المعارضة لا تقوم على أدلة علمية. بل إن عدداً متزايداً من النشرات العلمية تثبت أن استخدام السجائر الإلكترونية أكثر أماناً من تدخين التبغ إلى حد كبير.

في شهر يناير/كانون الثاني، أرسلت مجموعة من العلماء (وأنا أحدهم) رسالة إلى مفوضية الاتحاد الأوروبي تلتمس فيها تطبيق تنظيمات متناسبة وقائمة على الأدلة تسمح لمستخدمي السجائر الإلكترونية بتحديد المنتجات والجرعات التي تناسبهم. فقلنا في رسالتنا: "إن السجائر الإلكترونية، إذا تم تنظيمها بحكمة، قادرة على جعل تدخين التبغ شيئاً من الماضي وإنقاذ الملايين من الأرواح في مختلف أنحاء العالم. أما التنظيم المفرط فهو على النقيض من ذلك سوف يساهم في الإبقاء على المستويات الحالية من الأمراض والوفيات المرتبطة بالتدخين، فضلاً عن تكاليف الرعاية الصحية".

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

ذات يوم، قال راسل: "إن النيكوتين هو الذي لا يستطيع الناس التخلي عنه بسهولة". وكان محقا. غير أن تدخين التبغ، وليس النيكوتين، هو الذي يقتل الناس. وهذا من شأنه أن يجعل السجائر الإلكترونية حلاً مثاليا. والآن حان الوقت لكي تتحرك السلطات الصحية في الاتجاه الصحيح.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel