8

بوتن الأكبر

باريس ــ ذات يوم، قد نرى تماثيل لفلاديمير بوتن مقامة في المدن الروسية، وقد حملت نقشاً يقول: "الرجل الذي أعاد شبه جزيرة القرم إلى روسيا الأم". ولكن من المحتمل أيضاً أن نرى في العديد من ساحات المدن الأوروبية تماثيل تحتفي بالرئيس الروسي بوصفه "أبا أوروبا الموحدة". والواقع أن تحرك بوتن السريع لضم شبه جزيرة القرم أسهم في تنسيق وجهات نظر الحكومات الأوروبية بشأن روسيا بأكثر مما أسهمت به العشرات من الاجتماعات الثنائية أو المتعددة الأطراف.

ففي برلين في الأسبوع الماضي، سمعت النخب الفرنسية والألمانية تتحدث بصوت واحد في مناقشة كيفية الرد على العدوان الروسي في أوكرانيا. والأقوال ليست كالأفعال بطبيعة الحال. ولكن بفضل بوتن، ربما وجد الاتحاد الأوروبي السرد الجديد والزخم الذي سعى إلى إيجاده منذ سقوط سور برلين.

والحق أن أوروبا في حاجة ماسة إلى هذا الزخم. ففي مواجهة رغبة روسيا الإمبراطورية الجديدة في تعديل وتهذيب نظام ما بعد الحرب الباردة في أوروبا، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يتحدث بصوت واحد إذا كان راغباً في الظهور بمظهر الكيان القوي الجدير بالمصداقية. كما ينبغي له أن يتحدث بصوت واحد مع الولايات المتحدة، تماماً كما فعل (في أغلب الأحوال) خلال الحرب الباردة.

ومن جانبها، يبدو أن الولايات المتحدة انتبهت حديثاً بفعل الأزمة في أوكرانيا. ويبدو الأمر وكأن اعتياد الأميركيين على عدوهم الجديد/القديم ــ الخصم الذي يفهمونه كما لا يفهمون الأفغان أو العرب أو الفرس ــ زودهم بشعور متجدد بوحدة الهدف. وقد عاد تحالف الديمقراطيات، ولم يعد من المنطقي الاستشهاد بالمقولة الساخرة بأن الأميركيين ينتمون إلى مارس إله الحرب والأوروبيين ينتمون إلى فينوس إلهة الحب. ففي مواجهة روسيا التي ترجع أصولها إلى مارس إله الحرب حقاً وتبدو وكأنها لا تفهم ولا تحترم إلا القوة، لابد أن تكون الغَلَبة لحزم وصلابة ديمقراطيات العالم التي ترتكز على وحدة الهدف التي كانت مفقودة في العراق وأفغانستان.