3

أوروبا وجغرافية القيم

باريس ــ في مواجهة إعادة تأكيد روسيا على تقاليدها الإمبراطورية والأساليب الخادعة والانعكاسات من الماضي السوفييتي، فكيف ينبغي لأوروبا أن تستجيب؟ هل تعطي الأولوية لقيمة الجغرافيا أو "جغرافية القيم"؟

إن أولئك الذين يتجهون للخيار الأول يفعلون هذا باسم "واقعية الطاقة" القصيرة الأجل، زاعمين أنه أمر بالغ الأهمية أن يتم التوصل إلى اتفاق مع روسيا لأن أوروبا تفتقر إلى الغاز والنفط الصخريين في أميركا. ووفقاً لهذا المنطق فإن الولايات المتحدة قادرة على الحياة من دون روسيا، على النقيض من أوروبا.

وعلاوة على ذلك، يرى الواقعيون أن سلوك أميركا المتجاسر في التعامل مع أقدم حلفائها وأكثرهم إخلاصا ــ والذي انعكس في فضائح المراقبة الأخيرة التي تورطت فيها وكالة الأمن القومي ــ تسبب في إفقاد فكرة "مجتمع القيم" مصداقيته. وإذا كانت أميركا لم تعد تحترم القيم التي تتفاخر بها، فما الذي قد يجعل الاتحاد الأوروبي يخسر الوفاق مع الكرملين باسم التمسك بهذه القيم؟

ويزعم هؤلاء الواقعيون أيضاً أنه من خلال مواءمة مواقف الاتحاد الأوروبي مع مواقف حلف شمال الأطلسي، اختارت أوروبا بتهور إهانة روسيا ــ وهي طريقة عمل غير مجدية وخطيرة. وقد حان الوقت، كما يقولون، لتفعيل سياسة تهدف إلى التوفيق بين الحس التاريخي والجغرافي السليم وبين ضرورات الطاقة. والواقع أن مستقبل أوروبا يرتبط ارتباطاً شديداً بمستقبل روسيا، في حين أدارت أميركا ظهرها لأوروبا، بدافع من عدم الاهتمام إن لم يكن خيبة الأمل. والاحتفال بالماضي المجيد ــ الذكرى السبعين لساعة الصفر (نزول قوات الحلفاء على شواطئ نورماندي في فرنسا المحتلة) ــ من غير الممكن أن يخفي الحاضر المنكمش: فرغم أن أوروبا قد تحاول تنويع مصادر الطاقة، فإنها لا تستطيع أن تستغني عن روسيا في المستقبل المنظور.