21

الديمقراطية المباشرة تعود من جديد

نيويورك ــ مرة أخرى، يتسبب استفتاء في قلب بلد آخر رأسا على عقب. ففي يونيو/حزيران، قرر الناخبون البريطانيون إخراج بلادهم من الاتحاد الأوروبي؛ والآن قررت أغلبية ضئيلة من الكولومبيين رفض اتفاق السلام مع القوات المسلحة الثورية في كولومبيا (FARC). وبهذا قفز الكولومبيون إلى المجهول ــ وربما كانت قفزتهم هذه إلى الوراء، إلى هاوية قاسية عنيفة، إلى حرب بلا نهاية.

لا شك أن الشعبويين في كل مكان يحتفلون بالنتيجة باعتبارها توبيخا واضحا آخر للنخب التي لا تبالي إلا بمصلحتها الذاتية والتي "تلاعبت" بحكوماتها ضد الشعوب. وهم يزعمون أن الناس لابد أن يكون لهم صوت مباشر في القرارات المهمة التي تؤثر على حياتهم ــ وربما حتى القرارات بشأن الحرب والسلام.

ولكن إذا كان هناك بالفعل ما يمكن اعتباره "عجزا في الديمقراطية" كما يزعم الشعبويون فإن استخدام الاستفتاءات على نحو متزايد ليس العلاج لهذا العجز. بل على العكس من ذلك، تميل الاستفتاءات إلى جعل الأمور أشد سوءا، بل وقد تقوض الديمقراطية ذاتها. وهي قصة قديمة: فقد استخدم نابليون الثالث، على سبيل المثال، مثل هذا التصويت لإعادة تشكيل رئاسته المنتخبة في قالب اللقب الإمبراطوري الذي حمله عمه نابليون بونابرت.

بعد صعود الفاشية وأثناء الحرب الباردة، بدا الأمر وكأن ديمقراطيات العالم تدرك أن الاستفتاءات حيلة من صنيعة الحكام المستبدين الساعين إلى تركيز السلطة والقوة. فقد استخدم أدولف هتلر الاستفتاءات في السوديت والنمسا لتعزيز الرايخ الثالث. وبعد هتلر، استخدم جوزيف ستالين الاستفتاءات لدمج أوروبا الشرقية في الكتلة السوفييتية.