0

تشخيص الأمراض باعتباره سياسة عامة

حين نفكر في التشخيص الطبي، فإننا نتعامل مع هذا المصطلح عادة من الجانب العلمي. والحكمة التقليدية ـ الدقيقة ـ تؤكد أن إطلاق الأسماء على الأمراض وتصنيفها يتم استناداً إلى البحث العلمي. على سبيل المثال، تعكس المراجعات التي تتم كل عشر سنوات تقريباً للتصنيف الدولي للأمراض الذي تضعه منظمة الصحة العالمية، تقدماً جزئياً في الفهم العلمي للأمراض والإصابات.

يعتبر إعداد الفهارس وتسمية الأمراض شرطاً من شروط البحث العلمي، علاوة على نتاج ذلك. فكيف للأطباء أن يفسروا الأمراض ويسيطرون عليها بدون لغة مشتركة للظاهرة التي يبحثونها؟ يشتمل التصنيف الدولي للأمراض على كافة الأمراض والإصابات التي قد يبتلى بها البشر، وتعكس تحديثات هذا التصنيف أفضل وأحدث المعارف في هذا المجال، علاوة على تمهيد الطريق أمام الموجة القادمة من التطورات الطبية الحديثة.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

لكن التصنيف الرسمي للأمراض له جانب آخر، جانب يتعلق بمجموعة متنوعة من الوظائف الاجتماعية المهمة. فهو يقدم مجموعة من أسماء الأمراض والرموز الرقمية لتعيين وتعقب نفقات وخدمات الرعاية الصحية. وتستخدم الحكومات وشركات التأمين والمرضى هذه الأسماء والرموز فيما يتصل بالحسابات والتخطيط للميزانيات.

كما تحدد رموز التصنيف الدولي للأمراض إطاراً للأهلية اللازمة للتعامل مع الخدمات والسلع الاجتماعية المتصلة بالأمراض مثل الرعاية الصحية في المستشفيات، والتقاعد لأسباب طبية، ودعاوى التعويض عن العجز، ورعاية العاجزين والمسنين، والرعاية الصحية المنزلية، وكل هذا ليس سوى قليل من تلك الخدمات. ومن وجهة نظر الأطباء فإن هذه التصنيفات المبنية على التشخيص، مثل التصنيف الدولي للأمراض، توفر اللغة المشتركة التي ينبغي استخدامها في السجلات الطبية، وأثناء مناقشة المرضى وأسرهم، وفي تحصيل رسوم الخدمات. أما بالنسبة للمرضى فإن التصنيفات المبنية على التشخيص توفر الهيكل اللازم لفهم العمليات المرتبطة بالأمراض التي تصيبهم والتي تصيب غيرهم. وأخيراً، فإن التصنيفات المبنية على التشخيص توفر لأهل السياسة اللغة اللازمة لبناء أو تفكيك برامج الرعاية الصحية.

من الواضح أن الخاصية العامة والاجتماعية لتصنيف الأمراض بناءً على التشخيص تمتد إلى المنظمات والهيئات الخاصة. ولنضع في اعتبارنا على سبيل المثال، الهيئات التي تتولى تنظيم منح التراخيص الطبية أو تتولى إدارة صناديق إغاثة الطوارئ. (وفي الميادين غير الطبية، هناك الهيئات التجارية التي تتولى تنظيم اللجان التجارية أو التعليمية المسئولة عن إجازة بناء المدارس). ولا نستطيع أن نقول إن الحكومة تستطيع بمفردها العمل على وضع القواعد الرسمية، والمبادئ، والتوجيهات التي تشترك في بناء وتنظيم الحياة العامة. فالسياسة العامة تتحدد من خلال المصلحة العامة التي ستحققها هذه السياسة وليس بواسطة واضع السياسة ذاته.

في المجتمعات الديمقراطية على الأقل لابد وأن تكون مثل هذه السياسات قابلة للعرض والتعليل أمام عامة الشعب، وحيث أن تصنيف الأمراض يخدم العديد من وظائف السياسة العامة فلابد وأن تنطبق عليه نفس القاعدة.

لقد تبين أن الطب النفسي، على نحو خاص، يتسم بالريادة والإبداع فيما يرتبط بالتعرف على جوانب التصنيف التشخيصي المتصلة بالسياسة العامة. ذلك أن القائمين على كل من التصنيف الدولي للاضطرابات ال��قلية، ونظيره الأميركي المتمثل في "الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية" الذي تصدره جمعية أطباء النفس الأميركيين، واجهوا المشاكل وتحملوا الآلام من أجل جعل التصنيف التشخيصي قابلاً للعرض والتعليل كمثال من أمثلة السياسية العامة. ولقد قدمت كل من الهيئتين بياناً متنوعاً حول اللجان العاملة بها، ووجهت الدعوة إلى "جهات خارجية" بتقديم مدخلاتها، وتعاونت مع المؤسسات والهيئات المعنية في الإعداد لمراجعات التصنيفات الخاصة بتلك المؤسسات والهيئات.

وأنا أرى أن تصنيف الاضطرابات العقلية، باعتباره شكلاً من أشكال صناعة السياسة العامة، يفرض تحديات غير عادية. والتحدي الأساسي هنا تفرضه طبيعة المرض العقلي في حد ذاتها.

فالمرض العقلي يغزو العقل والنفس، وهما ذات الميدانين اللذين تكمن فيهما المعتقدات السياسية والمصالح الاجتماعية. وتاريخ طب النفس في العالم عامر بتشخيصات لأمراض عقلية مبنية على التمرد السياسي لأصحاب التشخيص. وعلى هذا فإن السياسة العامة بشأن المرض العقلي لابد وأن تضع في الاعتبار إمكانية فرض قيم اجتماعية وسياسية غير مبررة على الناس تحت قناع تصنيف الأمراض.

ومن ناحية أخرى، فلابد وأن تضع السياسة العامة في اعتبارها أيضاً الوضع الاجتماعي والسياسي الضعيف للمصابين بأمراض عقلية حادة. ومن المفترض في السياسة العامة بشأن المرضى العقليين أن تحرص على تمكينهم وليس تهميشهم.

لكن النقطة الأخيرة على أية حال، هي مكمن الألغاز المحيرة الحالية فيما يتصل بالتشخيص النفسي باعتباره سياسة عامة. ومع شروع منظمة الصحة العالمية في التخطيط لإصدار الطبعة الحادية عشرة من التصنيف الدولي للأمراض، وبدء جمعية أطباء النفس الأميركيين في التخطيط لإصدار الطبعة الخامسة من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية، فإن المرء ليتساءل كيف نضمن تحقق المزيد من المسئولية الأخلاقية والاجتماعية والسياسية فيما كان ينظر إليه تقليدياً باعتباره من أدوات ومنتجات العلم.

هل يشارك المرضى وأسرهم بصورة مباشرة في وضع التصنيفات؟ وإذا كان ذلك ممكناً فكيف يتم؟ وإن لم يكن ممكناً فكيف نفي بمتطلبات المصداقية العلمية والمسئولية العامة؟

ومع أن الطب النفسي يتصدر المناقشات الدائرة بشأن هذه المشاكل، إلا أن التخصصات الطبية الأخرى ليس من المكن أن تتخلف عنه كثيراً. وبينما يؤدي التقدم العلمي إلى توسيع نطاق الخيارات فيما يتصل بالصحة، إلا أن الخصائص المميزة للخيارات الاجتماعية والسياسية والأخلاقية سوف تتخلل التشخيص الطبي على نحو متزايد.

Fake news or real views Learn More

إن الحوار الدائر بشأن الحرية التناسلية والمحسنات "التجميلية" ـ مثل استخدام هرمونات النمو "لعلاج" قِصَر القامة ـ أصبح يحتل العناوين الإخبارية الرئيسية بالفعل. كيف يتسنى لنا تصنيف الشروط المتصلة بمثل هذه المسائل؟ ومن يتولى تفويض مثل هذه السلطة، وما مدى وهيئة المسئولية التي يتحملها؟ وما هي القيم الاجتماعية التي ستبـرز كنتيجة لهذا؟

من الضروري أن يعكس تصنيف الأمراض أفضل حالات التعاون بين العلم والسياسة. ومع عمق التفكير والمثابرة، فإن مداولات الطب النفسي الحالية بشأن التشخيص باعتباره سياسة عامة ستكون بمثابة خارطة الطريق إلى مناقشات طبية واسعة النطاق في انتظارنا.