0

البحث عن الدم

واشنطن، العاصمة ــ في أغلب بلدان العالم المتقدمة، بات بوسع المرضى أن يطمئنوا إلى سلامة عمليات نقل الدم. والمشكلة هي أن الحفاظ على إمدادات ثابتة غير ملوثة من الدم الذي يجمع من المتبرعين ليس بالمهمة السهلة دائما. فهل من الممكن أن نضمن إمدادات كافية من الدم المأمون إلى الأبد؟

إن الإمدادات المتوفرة من الدم اليوم، وهي غالباً تأتي من متبرعين، قد تكون ملوثة بفيروس نقص المناعة البشرية (الايدز) وغير ذلك من العوامل المعدية. والدم المتبرع به لابد أن يخزن مبردا، حيث تمتد صلاحية التخزين 28 يوما. ونظراً للخوف من التلوث ــ واهتمام المؤسسة العسكرية بتأمين إمدادات أكثر دواما ــ فإن البحث في البدائل التخليقية (الاصطناعية) كان لفترة طويلة على قائمة الأولويات الطبية.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

أثيرت فكرة استخدام بدائل الدم لأول مرة في القرن السابع عشر، ولا تزال تستقطب الباحثين حتى يومنا هذا. وقد تم بالفعل تطوير العديد من المنتجات القادرة على إحداث ثورة في طبق نقل الدم في السعي إلى تأمين بدائل دم من نوع واحد يناسب الجميع ويمكن تخزينه لفترات طويلة، ومن الممكن أن تحل محل نقل الدم التقليدي في الحالات القصوى، مثل ساحة المعركة.

ولكن بعد أكثر من ثلاثة عقود من مشاريع البحث والتطوير النشطة، لم يحظ أي منتج صالح للاستخدام سريرياً بموافقة الجهات التنظيمية، بسبب التحديات العلمية الكبيرة.

إن الدم عبارة عن حساء معقد من بروتينات البلازما، وخلايا الدم الحمراء، والصفائح الدموية، والمكونات الخلوية الأخرى. وكل من هذه العناصر تؤدي وظائف بالغة الأهمية، مثل نقل الأكسجين، والمواد المغذية، والأجسام المناعية المضادة (التي تدافع عن الجسم ضد العدوى)، وتنظيم المحتوى المائي ودرجة الحرارة ومستوى الحامضية والقاعدية.

في أوائل القرن العشرين، بدأ الباحثون في دراسة الهيموجلوبين ــ البروتين المسؤول عن حمل الأكسجين من الجهاز التنفسي إلى بقية الجسم ــ في خلايا الدم الحمراء. ووجد الباحثون أن الهيموجلوبين الحر، عندما يعزل عن الخلايا الشائخة ــ سواء كان مستخلصاً من دم البشر أو الأبقار أو من مصادر مهندسة وراثيا ــ يصبح من الممكن تجديد شبابها، وتثبيتها كيميائيا، وإعادة حقنها باعتبارها "بديلاً" للدم يمكنه حمل الأكسجين بنفس كفاءة خلايا الدم الحمراء، ولكن لفترة أقصر كثيرا. (أثبتت بدائل الدم التخليقية غير الهيموجلوبينية، والمعروفة بالفلوروكربونات، أنها أقل فعالية في حمل الأكسجين).

بيد أن الهيموجلوبين الحر قد يعيث فساداً في جسم الإنسان، فيسبب ارتفاع ضغط الدم، أو السكتة القلبية، أو حتى الوفاة. والواقع أن الهيموجلوبين، في كل الكائنات الحية تقريبا، يكون مغلفاً بخلايا الدم الحمراء، التي تحمي الجسم من التأثيرات السلبية للبروتين (وبالتالي، تحمي الهيموجلوبين من إنزيمات الهضم في الجسم). ومع ذلك، يعتقد الخبراء أن المنتجات القائمة على الهيموجلوبين يمكن استخدامها لإنقاذ أرواح المصابين، وأيضاً علاج المرضى الذين يعترضون لأسباب دينية على الدم المتبرع به (على سبيل المثال، شهود يهوه).

يحتوي الهيموجلوبين على الهيمات، وهي مركبات كيميائية تحتوي على الحديد ــ وهو فلز انتقالي من الممكن أن يخضع للأكسدة أو عمليات "الصدأ". وخارج خلايا الدم الحمراء، يتأكسد الحديدوز (حديد ثنائي التكافؤ) "المفيد" ــ الشكل الوحيد القادر على حمل الأكسجين ــ على نحو يتعذر كبحه ليتحول إلى الأشكال الضارة والمؤذية من الهيموجلوبين مثل الحديديك (حديد ثلاثي التكافؤ) والفيريل. وعندما يُطلق الهيموجلوبين في ��لدورة الدموية للإنسان في هذه الحالة العالية الأكسدة فإنه يدمر نفسه ذاتيا، فيلحق الضرر بالجزيئات في الأنسجة المحيطة.

ولأن هذه الأشكال المؤذية من الهيموجلوبين يصعب دراستها في الأجهزة الحية، فقد تجاهلها الباحثون إلى حد كبير، وركزوا بدلاً من هذا على استراتيجيات منع الكلى من تصفية الهيموجلوبين المشرب؛ ومنع الهيموجلوبين من التسرب عبر جدران الأوعية الدموية؛ والهيموجلوبين المخلق من تدمير أكسيد النيتريك (غاز يُنتَج في الأوعية الدموية ويساعدها في التمدد وزيادة تدفق الدم). ويرى بعض الباحثين أن التفاعل مع أكسيد النيتريك هو الأكثر إثارة للمشاكل، لأنه يرفع ضغط الدم.

ولكن تم إحراز تقدم في إيجاد السبل للسيطرة على تفاعلات الأكسدة هذه. فقد حقق الباحثون (بما في ذلك في مختبري) في الكيفية التي يتعامل بها الجسم بشكل طبيعي مع إطلاق الهيموجلوبين بشكل عَرَضي من خلايا الدم الحمراء الشائخة ومن الخلايا المتأثرة بأمراض لها علاقة بالدم، مثل فقر الدم الانحلالي. وقد وجدوا أن خط دفاع الجسم الأول ضد أكسدة الهيموجلوبين يتلخص في عملية اختزال، حيث تعمل جزيئات مثل حمض اليوريك أو حمض الاسكوربيك (فيتامين سي) على إعاقة الأكسدة من خلال اختزال الحديد إلى نوع أقل أكسدة.

وعلاوة على ذلك، تعمل مجموعة من بروتينات الدم ككاسحات متخصصة للهيموجلوبين أو أجزائه المتكسرة. وهي تقلل من سُميته وتنقله بأمان لمزيد من المعالجة داخل خلايا متخصصة تسمى البلعميات (خلايا بيضاء كبيرة تهدم الأجسام الغريبة). على سبيل المثال، يتحد الهبتوجلوبين بقوة مع الوحدات الفرعية للهيموجلوبين، في حين يلتقط الهيموبيكسين الهيمات عندما يطلقها الهيموجلوبين. وتتضمن بعض الاحتمالات العلاجية الضخ المزدوج للهبتوجلوبين والهيموجلوبين في الدورة الدموية أو مع فيتامين سي ــ وهي الإضافات التي تحمل في طياتها نتائج مبشرة في ما يتصل بتطوير بدائل الدم الآمنة والفعّالة.

Fake news or real views Learn More

ويتعين على الباحثين أن يسارعوا إلى البناء على هذا التقدم. ذلك أن بدائل الدم الآمنة والخيارات العلاجية الجديدة التي تجعل عمليات نقل الدم أكثر فعالية من شأنها أن تحسن العلاج في المواقف الصعبة إلى حد كبير. وفي نهاية المطاف فإن هذا يبشر بامتلاك القدرة على إنقاذ العديد من الأرواح.

ترجمة: هند علي          Translated by: Hend Ali