7

التصور الخاطىء للتعليم العالي

كامبريدج- منذ ان كشف الاقتصاديون عن مدى مساهمة الجامعات في النمو الاقتصادي ، ابدى السياسيون المزيد من الاهتمام بالتعليم العالي ولكن الذي حصل انه في الغالب كان لديهم تصور خاطىء عن دور الجامعات مما ادى الى تقويض سياساتهم.

على سبيل المثال ، لقد ركز الرئيس الامريكي باراك اوباما مرارا وتكرارا على زيادة نسبة الامريكيين الشباب الحاصلين على شهادات جامعية وهذا بالطبع هدف مفيد يمكن ان يساهم في الازدهار الوطني ويساعد الشباب على تحقيق الحلم الامريكي ولكن الاقتصاديين الذين درسوا العلاقة بين التعليم والنمو الاقتصادي يؤكدون ما يوحي به المنطق وهو ان عدد الشهادات الجامعية ليس بأهمية كيفية تمكن الطلاب من تطوير مهارات معرفية مثل التفكير النقدي والقدرة على حل المشكلات.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

ان الفشل في الاعتراف بهذه النقطة يمكن ان يكون له عواقب كبيرة فبينما تتبنى البلدان التعليم العالي للجميع فإن تكلفة الاحتفاظ بتلك الجامعات تزيد بشكل دراماتيكي بالنسبة لنظام نخبوي. اذا اخذنا بالاعتبار ان الحكومات لديها برامج اخرى عديدة لدعمها – والناس تقاوم الضرائب الاعلى- فإن ايجاد الأموال للدفع لمثل هذه الجهود يصبح صعبا بشكل متزايد وعليه يتوجب على الجامعات ان توفر تعليم يتميز بالجودة لطلاب اكثر مع صرف اقل مقدار ممكن من الاموال .

ان تحقيق جميع الاهداف الثلاثة – الجودة والكمية والتكلفة –بشكل متزامن سوف يكون امرا صعبا مما يزيد من احتمالية تدني المستوى ونظرا لأنه من السهل حساب اعداد الخريجيين والمص��وفات الحكومية فإن جودة التعليم والتي يصعب قياسها من المرجح ان تكون الهدف الذي سيتأثر سلبا. لا يمكن تحديد اي شخص –وهكذا لا يمكن محاسبة اي شخص- عندما ترتفع اعداد الخريجين ولكن يكون هناك فشل في تحقيق الفوائد الاقتصادية المأمولة.

ان التصور الخاطىء الثاني لصناع السياسة هو ان الفائدة الوحيدة فقط من التعليم الجامعي هي الفرصة التي تمنحها للخريجيين لايجاد وظيفة تنتمي للطبقة الوسطى والمساهمة في النمو والرخاء الاقتصادي ولكن بينما تلك المساهمة مهمة فانها ليست الشيء الوحيد المهم .

بخلاف ايجاد اول وظيفة فإن الخريجيين الجامعيين عادة ما يتأقلمون بشكل اكثر سهولة مقارنة بخريجي الثانوية العامة عندما يتطور الاقتصاد ويحتاج سوق العمل لتغييرات كما ان الخريجين الجامعيين عادة ما يصوتون بمعدلات اعلى وينخرطون في نشاطات مدنية اكثر ويرتكبون جرائم اقل ويعلمون اطفالهم بشكل افضل ويمرضون بشكل اقل بسبب تبنيهم لاسلوب حياة صحي اكثر.

يقدر الباحثون ان قيمة تلك الفوائد الاضافية تساوي اكثر من الدخل المضاف طيلة الحياة من الشهادة الجامعية. لو تجاهل صناع السياسة ذلك فأنهم يخاطرون بتشجيع اشكال اسرع وارخص من التعليم والتي سوف تخدم الطلاب والمجتمع بشكل اقل بكثير.

ان هذه المفاهيم الخاطئة تتضح في كلمات القادة خلال العقدين الماضيين وكما ذكر الرئيس بيل كلنتون في خطاب حالة الاتحاد سنة 1994 : " نحن نقيس اداء كل مدرسة بمقياس مرتفع واحد وهو هل اطفالنا يتعلمون ما يحتاجون تعلمه من اجل المنافسة والفوز في اقتصاد عالمي ؟" ومنذ ذلك الحين كرر الرئيس جورج بوش الابن واوباما المشاعر نفسها عندما تكلما عن اهداف سياستهما التعليمية .

تتضح المقاربة نفسها في بلدان اخرى ايضا فمن الامثلة الدالة على ذلك هو انتقال مسؤولية الجامعات البريطانية منذ سنة 1992 من دائرة التعليم والعلوم الى دائرة التعليم والتوظيف وفي سنة 2009 الى دائرة جديدة هي دائرة الاعمال التجارية والابتكار والمهارات .

ان تقليص مفهوم دور التعليم العالي غير مسبوق لأنه يتجاهل ما كان يتم اعتباره على انه اهم اهداف التعليم : تقوية الشخصية الاخلاقية للطلاب واعدادهم لان يصبحوا مواطنين نشطاء ومطلعين وعلى ضوء هذا التقليد فإن هذا التحول الاخير للاهداف المادية يأتي كمفاجأة . لقد تنبأ جون ماينارد كينز في العشرينات من القرن الماضي انه بينما تزداد الدول غنى فإن انشغال الناس بالاموال والممتلكات سوف يقل ولكن الذي حصل هو العكس تماما.

ان من المسلمات انه يتوجب على القادة السياسيين الديمقراطيين ان يستجيبوا للناس علما ان الناس مهتمون بالاموال والوظائف وطبقا لمسح تم اجراؤه مؤخرا بين طلاب السنة الاولى في الجامعات الامريكية سنة 2012 ذكر 88% منهم ان من الاسباب المهمة لالتحاقهم بالجامعات هو الحصول على وظيفة افضل كما ذكر 81% منهم " ان يكونوا اثرياء " كهدف ضروري او مهم للغاية .

لكن 82،5% من هولاء الطلاب المستجدين يسعون " لتعلم المزيد عن الاشياء التي تهمني " كسبب مهم للالتحاق بالجامعة و73% منهم ارادوا "اكتساب تعليم عام وان يكون عندهم تقدير للافكار" . ان من بين الاهداف التي اعتبروها ضرورية او مهمة للغاية ذكر 51% منهم "تحسين فهمي للبلدان والثقافات الاخرى"و ذكر 45،6% منهم "تطوير فلسفة ذات معنى للحياة".وهناك نسب كبيرة ذكرت اهداف مثل " ان اصبح قائدا ضمن المجتمع "والمساعدة في الترويج للفهم العرقي" وأن " انخرط في برامج لتنظيف البيئة ".

Fake news or real views Learn More

في النهاية فإن المسوحات توحي بأن اكثر ما يريده الناس هو ليس الثروة بقدر رغبتهم بالسعادة والشعور بالرضا والذي يأتي من حياة كاملة وذات معنى. ان النقود من العوامل المساعدة ولكن هناك اشياء اخرى مساعدة مثل العلاقات الانسانية الوثيقة والافعال اللطيفة واستيعاب الاهتمامات وفرصة العيش في مجتمع ديمقراطي حر واخلاقي ومحكوم بشكل جيد .ان وجود اقتصاد يعاني من الركود وانعدام الفرص هي بلا شك من المشاكل ولكن من المشاكل ايضا هي قلة نسب التصويت واللامبالاة المدنية وانتشار الاستخفاف بالمعايير الاخلاقية وعدم الاكتراث بالفن والموسيقى والادب والافكار.

ان مسؤولية المربين في حقل التعليم هو مساعدة الطلاب على ان يعيشوا حياة مرضية ومسؤولة وبغض النظر عن ما اذا كانت تلك الجامعات تؤدي مهمتها بشكل جيد أو سيء فإن جهودها من اجل النجاح تستحق القتال من اجلها وتستحق اعتراف حكوماتها بتلك الجهود وتشجيعها وكما ذكر لويس برانديز : للخير او الشر فإن حكومتنا تبقى هي المعلم القوي والموجود في كل مكان" ولو اعتبر قادتنا التعليم على انه فقط وسيلة للوظائف والاموال فلا يجب ان يتفاجأ اي شخص عندما يبدأ شبابنا في نهاية المطاف بالتفكير بتلك الطريقة ايضا.