16

الإنسان الاقتصادي العاقل وانقراضه الوشيك

كيل ــ يبدو العالم الآن وكأنه يوشك على الخضوع لـ"تحول كبير" آخر، في ظل تغيرات أعمق كثيراً من الأحداث الاقتصادية أو الجيوسياسية الرئيسية الجاذبة للاهتمام الإعلامي حول نهضة آسيا الاقتصادية أو الحرائق في الشرق الأوسط. وسوف تعيد التغيرات المقبلة تعريف طبيعة تفاعلاتنا الاقتصادية ــ والديناميكيات الاقتصادية التي تؤسس لها.

ولا يقل هذا التحول في نطاقه عن التحول الذي حدث قبل أكثر من 8000 عام عندما انتقل البشر من المجتمعات البدوية المترحلة الجامعة للصيد إلى المجتمعات الزراعية المستقرة، والذي أفضى في نهاية المطاف إلى ظهور المدن. كما حدث تحول مماثل في أوروبا في القرن العاشر الميلادي، مع نشوء النقابات ــ جمعيات من العمال المهرة الذين سيطروا على ممارسة حرفتهم في مدينة بعينها ــ وقد مهد هذا الطريق لاندلاع الثورة الصناعية.

وتظل الخصائص الدقيقة للتحول الوشيك غير واضحة. فقد تتضمن ثورات في التكنولوجيا الحيوية والرقمية وتكنولوجيا النانو، جنباً إلى جنب مع ثورة الشبكات الاجتماعية التي تزيل الحواجز الجغرافية والثقافية. غير أن الأمر الواضح بالفعل هو أن هذا التحول، مثله كمثل التحولات السابقة، سوف ينطوي على تغيير جوهري في كل علاقاتنا الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية التي تدعمها.

يقدم لنا اقتصاد التيار السائد تحليلاً بسيطاً ومباشراً لمثل هذا التحول. فكلما سمحت التغيرات التكنولوجية أو غيرها من التغيرات بتعويض الناس عن الفوائد التي يمنحونها لبعضهم البعض (مع خصم التكاليف)، يصبح من الممكن أن يعدل نظام السوق القائم على الأسعار نفسه. وعندما تخلق التغيرات عوامل خارجية تصبح إعادة الهيكلة الاقتصادية مطلوبة ــ ولنقل على سبيل المثال، إدخال تعديلات على النظام الضريبي، أو إعانات الدعم، أو التحولات التنظيمية، أو تحسين حقوق الملكية ــ للتعويض عن التكاليف والفوائد التي لا تستطيع السوق التعويض عنها. وعندما تفضي التغيرات إلى مستويات مرتفعة بشكل خاص من التفاوت بين الناس، تنشأ الحاجة إلى تدابير إعادة التوزيع.