7

سفن الديمقراطية المحترقة

شيكاغو ــ منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، كان انتشار "نظرية الألعاب" على المستوى الأكاديمي سبباً في دفع خبراء الاقتصاد الكلي إلى التأكيد على أهمية "الالتزام"، وهي الاستراتيجية التي تهدف إلى تعزيز النتائج الاقتصادية في الأمد البعيد من خلال تقييد السلطة التقديرية لصانعي السياسات. وتبدو الفكرة منافية للمنطق والعقل: فكيف للأقل أن ينتج الأكثر؟

على الرغم من عدم دقتها من الناحية التاريخية، فإن أحد أفضل الأمثلة للالتزام الاستراتيجي تقدمه لنا أسطورة هيرنان كورتيز، والتي تقص علينا أنه قرر أثناء حملته لفتح المكسيك حرق السفن التي حملت بعثته من أسبانيا. ففي مستهل الأمر قد تبدو هذه الخطوة جنونية: فلماذا يدمر عامداً متعمداً الوسيلة الوحيدة الممكنة للخروج في حالة الهزيمة؟ يُقال إن كورتيز فعل هذا لتحفيز قواته. ففي غياب أي سبيل للهروب كان الجنود متحفزين للفوز. ويُقال إن الإسكندر الأكبر فعل شيئاً مماثلاً عندما أخضع بلاد فارس.

لكي تحقق الفائدة المرجوة منها فإن استراتيجية الالتزام لابد أن تكون جديرة بالثقة ــ أي أن التراجع السريع عنها أمر غير وارد بالمرة. وبهذا المعنى، فإن استراتيجية كورتيز كانت مثالية: ففي حالة الهزيمة لن يجد الأسبان الوقت لإعادة بناء السفن المحترقة. ولكي تعمل على النحو اللائق فإن استراتيجية الالتزام لابد أيضاً أن تكون مكلفة في حالة الفشل: فلو خسر كورتيز المعركة فما كان لأي جندي أسباني أن يتمكن من النجاة بحياته. وهذه على وجه التحديد التكلفة التي ساعدت في تحفيز جنوده.

والمشكلة هي أننا ملزمون بالسماع عن الأمثلة التاريخية الناجحة فقط لمثل هذه الاستراتيجية. فلو فشلت استراتيجية كورتيز فإن التاريخ كان ليذكره، هذا إن ذَكَره على الإطلاق، بوصفه قائداً متغطرساً أحمق تصور أنه قادر على إلحاق الهزيمة بإمبراطورية عظيمة.