5

وعود الديمقراطية المنكوثة

سانتياغو – تتعرض الديمقراطية الليبرالية للحصار؛ فالشعبويّون، سواء من الأحزاب اليمينية أم اليسارية، لا يصبّون جام غضبهم على فكرة العولمة أو الدخول الراكدة التي تتقاضاها الطبقة المتوسطة فحسب، بل أصبحوا يتشككون في شرعية المؤسسات التي تتبنى مفهوم الديمقراطية الليبرالية والنخب السياسية التي تدير هذه المؤسسات.

ومن السهل توجيه اللوم إلى ما بات يُعرف بسياسات ما بعد الحقيقة التي يمارسها هؤلاء الشعبويّون؛ فالأكاذيب والتصريحات المبالغ فيها لن تجدي نفعًا إذا خلت الممارسة الديمقراطية القائمة من المشكلات، ومن ثم فإنه من الواجب علينا أن نعيد النظر  في وأن نسعى، قدر المستطاع، إلى معالجة ما أسماه المنظِّر السياسي الإيطالي "نوربيرتو بوبيو" بـ"وعود الديمقراطية المنكوثة".

ومن المعلوم أنه لا يوجد أحدٌ من بين أولئك الذين قاموا بحملات انتخابية لتقلد منصبٍ ما إلا وقد سمع العبارة المألوفة التي تتردد على ألسنة الناخبين: "أيها السياسيون، إننا نراكم فقط وقت الانتخابات"، فالمواطنون يخبرون مستطلعي الآراء بأن السياسيين يقفون على مسافة بعيدة منهم، وأنهم ليسوا أهلا للثقة، وهذه هي الثغرة التي يستغلها الشعبويّون.

إن الديمقراطية الحديثة لا تعدو كونها ديمقراطيةً تمثيليةً؛ فعندما يقضي النوَّاب المنتخبون بين جنبات البرلمان أوقاتًا أطول من تلك التي يتفاعلون خلالها مع المواطنين، فإنهم لا يُقصِّرون في أداء واجباتهم، بل يقومون بعملهم؛ بيد أن اللغة الخطابية التي تتبناها الديمقراطية الحديثة تزعم خلاف ذلك؛ حيث تؤكد على التحام المرشحين بالناخبين، ومعرفتهم بالقضايا التي تشغلهم، ولكن عندما يصبح التناقض مع الواقع صارخًا للغاية، يعاني القادة السياسيون من تدني مصداقيتهم.