15

الديون مرة أخرى

نيويورك ــ على مدى عامين، كررت الأسواق المالية نفس الخطأ ــ التكهن بارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة في غضون ستة أشهر تقريبا، فقط لكي ينحسر أفق هذا الاحتمال بعد حين. والواقع أن سوء التقدير المتكرر على هذا النحو ليس راجعاً إلى أحداث غير متوقعة، بل إنه نتيجة للفشل في إدراك شدة القوى الانكماشية التي تشكل الاقتصاد الآن وطبيعتها العالمية.

إننا عالقون في فخ حيث لا تنخفض أعباء الديون، بل تتحول ببساطة بين مختلف القطاعات والبلدان، وحيث السياسات النقدية وحدها غير كافية لتحفيز الطلب العالمي، وليس إعادة توزيعه فحسب. ويرجع أصل هذه الوعكة إلى خلق ديون مفرطة لتمويل الاستثمار العقاري والبناء.

خلال الطفرة اليابانية في ثمانينيات القرن العشرين، تضاعفت القروض العقارية إلى أربعة أمثالها في غضون أربع سنوات فقط، وارتفعت أسعار الأراضي بنحو الضعفين ونصف الضِعف. وبعد انفجار الفقاعة العقارية في عام 1990، كانت الشركات المفرطة في الاستدانة عازمة على سداد ديونها، حتى عندما هبطت أسعار الفائدة إلى ما يقرب من الصِفر. ورغم أن العجز المالي الضخم يعوض جزئياً عن التأثيرات القامعة للطلب المترتبة على تقليص المديونية في القطاع الخاص، فإن النتيجة الحتمية كانت ارتفاع الديون العامة. وقد انخفضت ديون الشركات ببطء (من 140% من الناتج المحلي الإجمالي عام 1990 إلى نحو 100% اليوم)؛ ولكن الديون العامة ارتفعت بلا هوادة، والآن تتجاوز 230% من الناتج المحلي الإجمالي.

منذ اندلعت الأزمة المالية عام 2008، يتكرر هذا النمط في أماكن أخرى. ففي الولايات المتحدة والعديد من البلدان الأوروبية، أعقب خلق الديون المفرطة قبل عام 2008 جهود حثيثة لتقليص المديونيات الخاصة، والتي قابلها في مستهل الأمر عجزاً ضخماً في الميزانية الحكومية. وقد سجلت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي التراكمية في الاقتصادات المتقدمة انخفاضاً طفيفا ــ من 167% إلى 163% وفقاً لتقرير حديث؛ ولكن الديون العامة ارتفعت من 79% إلى 105% من الناتج المحلي الإجمالي. وبالتالي فقد بدت تدابير التقشف المالي ضرورية؛ ولكنها أدت إلى تفاقم التأثير الانكماشي المترتب على تقليص المديونية الخاصة.