8

الموت شنقاً في الهند

نيودلهي ــ في الثلاثين من يوليو/تموز، نفذت السلطات الهندية حكم الإعدام شنقاً الصادر في حق يعقوب ميمون، المحاسب القانوني وشقيق رجل عصابات سيئ السمعة يعيش الآن في منفى اختياري، وذلك بعد اتهامه بالاشتراك في تخطيط وتنفيذ سلسلة من التفجيرات التي قتلت 257 شخصاً في مومباي عام 1993. وقد استفز الشنق، وهو الأول في ثلاث سنوات في الهند، ردود فعل تراوحت بين الارتياع والرغبة التي تكاد تكون غير مخفية في سفك الدماء. كما تسبب تنفيذ الحكم في احتدام المناقشة حول عقوبة الإعدام.

من المؤكد أن لا أحد يقترح أن النظام القضائي في الهند لم يعمل على النحو الصحيح في حالة ميمون. فقد أدين وفقاً للإجراءات القانونية الواجبة، وكان عقابه بموجب قوانين سارية. وخلال 21 عاماً قضاها خلف القضبان، استنفد ميمون كافة سبل الاستئناف الممكنة المتاحة له، بما في ذلك التماس للعفو الرئاسي. حتى أن المحكمة العليا عقدت جلسة طارئة في الثانية والنصف صباحا، قبل ساعات فقط من الموعد المحدد لتنفيذ حكم الإعدام، قبل أن تقرر السماح بتنفيذ الحكم.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

ولكن يظل السؤال مطروحا: هل ينبغي لعقوبة الإعدام أن تظل قائمة؟

باعتباري مشرعاً من المعارضة، قوبلت بقدر كبير من الإهانات بسبب تعبيري عن رأيي في صبيحة إعدام ميمون شنقاً بأنه لا ينبغي أن يتم. فقد أعربت عن حزني لأن حكومتنا قتلت إنسانا، أياً كانت جرائمه. وأضفت أن القتل برعاية الدولة يحط من قيمتنا جميعا، لأنه ينزلنا إلى مرتبة القَتَلة، تماماً مثل أولئك الذين نعاقبهم.

الواقع أن وجهة نظري لا تتمتع بشعبية كبيرة في الهند، حتى أن حزبي استنكر تصريحي. ولكن موقفي يستند إلى أدلة وافرة على أن عقوبة الإعدام لا تردع في حقيقة الأمر الجرائم التي تعاقبها. فقد أثبتت البيانات التي جمعها مشروع عقوبة الإعدام التابع لجامعة الحقوق الوطنية في دلهي بشكل قاطع عدم وجود أي علاقة إحصائية بين تطبيق عقوبة الإعدام ومنع الجريمة. وتعكس هذه الأدلة نتائج مماثلة في بلدان أخرى.

وكان الدافع وراء تصريحاتي أيضاً المشاكل التي تحيط بطريقة فرض عقوبة الإعدام في الهند. فقد أعلنت المحكمة العليا أن عقوبة الإعدام لا يجب أن تطبق إلا في "أشد الحالات النادرة ندرة". والواقع أن عمليات الإعدام الثلاث الأخيرة في البلاد كانت راجعة إلى جرائم إرهابية هددت حياة عدد كبير من الناس أو أسفرت عن خسائر كبيرة في الأرواح بالفعل.

لكن اتخاذ القرار بفرض عقوبة الإعدام يظل شخصياً وغير موضوعي إلى حد كبير. والواقع أن صدور عقوبة الإعدام يعتمد على عدد من المتغيرات، بدءاً بالتحيزات القضائية والاجتماعية. ومن الممكن أن يعمل الغضب الشعبي ــ الذي ربما تؤججه التغطية الإعلامية التحريضية ــ على دفع المحاكم إلى إصدار عقوبة أشد، وخاصة في القضايا المتصلة بالإرهاب أو الجرائم ضد النساء. كما تلعب الحالة الاقتصادية دوراً مهما، حيث يتجاوز عدد المجرمين الفقراء الذين تنفذ في حقهم عقوبة الإعدام كثيراً عدد المجرمين من الأثرياء الذي تنفذ في حقهم نفس العقوبة، لأن الفقراء لا يمكنهم تحمل تكاليف التمثيل القانوني العالي الجودة. كما يستند قرار رئيس الدولة بتخفيف العقوبة إلى أسباب غير موضوعية.

في قضية نظرت عام 1983، رأت المحكمة أن إحدى الطرق لتقرير ما إذا كانت الجريمة تلبي شرط "أشد الحالات النادرة ندرة" تتلخص في تحديد ما إذا كانت الجريمة أصابت "الضمير الجمعي" للمجتمع "بصدمة قوية" إلى الحد الذي يجعله يتوقع من ولاة الأمر القائمين على السلطة القضائية إنزال عقوبة الإعدام بالمذنب بصرف النظر عن آرائهم الشخصية. وهذا يترك مجالاً كبيراً للتطبيق التعسفي وغير المتناسب لعقوبة الإعدام.

في الفترة من 2010 إلى 2013، أصدرت محاكم الدرجة الأولى 436 حكماً بالإعدام. وتم تخفيف 280 حكماً منها إلى السجن مدى الحياة، ومن المرجح أن يظل عدد كبير من القضايا الأخرى في طي النسيان لعقود من الزمن. أما عن أحكام الإعدام التي تم تنفيذها بالفعل ــ حكمين في غضون السنوات الأربع هذه ــ فمن المستحيل أن نتيقن من المعايير الموضوعية التي جعلت الجرائم محل النظر أكثر بشاعة أو "أكثر ندرة" من تلك التي لم تستأهل الإعدام.

لا ينبغي للغموض وعدم الموضوعية أن يحكما في أمور تتعلق بالحياة والموت. ولكن هذين العنصرين يبرزان رغم ذلك عندما يتعلق الأمر بفرض عقوبة الإعدام. وهذا من شأنه أن يزيد من صعوبة تبرير هذه الممارسة.

قبل بضعة أسابيع فقط من إعدام ميمون، قامت لجنة القانون في الهند، وهي هيئة حكومية تتألف من قضاع متقاعدين وخبراء في القانون وتعمل من أجل الإصلاح القانوني، بتنظيم مشاورات لتقييم فعالية النصوص التي تحكم عقوبة الإعدام في الهند والغرض من العقوبة ذاتها. ومن غير المستغرب، استناداً إلى الأدلة والآراء التي طرحت خلال جلسة الاستماع التي عقدتها لجنة القانون، أن ينشأ إجماع عام على أن المحاكم غير قادرة على تبني نهج عادل وخالٍ من التمييز في التعامل مع عقوبة الإعدام، وجاء تأييد إلغاء هذه العقوبة بأغلبية ساحقة.

لن يحدث هذا في أي وقت قريب. ذلك أن الغالبية الساحقة من عامة الناس في الهند يؤيدون عقوبة الإعدام، وخاصة في حق الإرهابيين المدانين. وكان الجدال حول شنق مأمون عاطفياً غالبا، مع حرص وسائل الإعلام على إجراء المقابلات مع الناجين من تفجيرات مومباي.

وعلاوة على ذلك، اقترح البعض أن بديل عقوبة الإعدام ــ السجن مدى الحياة ــ من شأنه أن يجعل الهند عُرضة لعمليات الاختطاف وغير ذلك من الاعتداءات التي قد تنفذها جماعات إرهابية تحاول تحرير الرفاق المسجونين. وفي مواجهة مثل هذه المخاوف الأمنية، لم تجد حجتي بأن إنهاء حياة إنسان خطأ كبير، وأن الدولة لا ينبغي لها أن تتسبب في تفاقم الجرائم الجنائية، آذاناً صاغية.

على الصعيد العالمي، تُعَد الهند جزءاً من أقلية متضائلة. فقد ألغت أكثر من 130 دولة عقوبة الإعدام، فضلاً عن 25 دولة لم تلغها بعد ولكنها لم تعدم أي شخص منذ عشرات السنين. أي أن نحو ثلاثين دولة لا تزال تطبق هذه العقوبة.

إن عضوية الهند في هذه المجموعة لا تخلو من تداعيات دولية؛ على سبيل المثال، لن تقبل دول الاتحاد الأوروبي تسليم المجرمين إلى دول حيث من المحتمل أن يواجهوا عقوبة الإعدام. ولكن المشكلة الحقيقية أكثر عمقا: فعقوبة الإعدام، في جوهرها، تدور حول الانتقام.

وقد يكون من المغري أن نعلن أن أي شخص يقتل (أو يشارك في قتل) أناس أبرياء لا يستحق الحياة. ولكن هل يُعَد الانتقام دافعاً يستحق التحرك من قِبَل الدولة، وخاصة تجاه مواطنيها؟

Fake news or real views Learn More

ذات يوم، قال المهاتما غاندي، أعظم أبناء الهند، "إن مبدأ العين بالعين من شأنه أن يجعل كل العالم أعمى". وحتى وقتنا هذا، تظل الهند عمياء عن الحجة لصالح إلغاء عقوبة الإعدام. وأنا على يقين من أنها ذات يوم سوف ترى النور. وإلى أن يحدث ذلك، لابد أن تستمر المعركة الوحيدة لإلغاء هذه العقوبة.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali