9

في مديح الباحثين الدهاة

برينستون ــ نحن نعيش في عالم معقد، لذا فإننا مضطرون إلى تبسيطه. فنحن نصنف الناس من حولنا باعتبارهم من الأصدقاء أو الأعداء، ونصنف دوافعهم بوصفها طيبة أو شريرة، وننسب الأحداث ذات الجذور المعقدة إلى أسباب واضحة. ومثل هذه الطرق المختصرة تساعدنا في الإبحار عبر تعقيدات وجودنا الاجتماعي. وهي تساعدنا في تشكل التوقعات حول العواقب المترتبة على تصرفاتنا وتصرفات الآخرين، وبالتالي تيسر عملية صنع القرار.

ولكن لأن مثل هذه "النماذج العقلية" هي في واقع الأمر تبسيطات، فإنها خاطئة بالضرورة. فهي قد تخدمنا إلى حد كبير في التعامل مع تحدياتنا اليومية، ولكنها تتجاهل العديد من التفاصيل ومن الممكن أن تأتي بنتائج عكسية عندما نجد أنفسنا في بيئة حيث تصبح تصنيفاتنا وتفسيراتنا الجاهزة أقل ملاءمة. فمصطلح "الصدمة الثقافية" يشير إلى مواقف حيث يتبين لنا أن توقعاتنا بشأن سلوك الناس خاطئة إلى الحد الذي يجعل التجربة تهزنا بشدة.

ولكن برغم ذلك فإن غياب مثل هذه الطرق المختصرة من شأنه أن يصيبنا بالارتباك أو الشلل. فنحن لا نملك القدرة العقلية ولا الفهم اللازم لفك طلاسم الشبكة الكاملة من العلاقات بين الأسباب والتأثيرات في حياتنا الاجتماعية. ومن هنا فإن سلوكياتنا وردود أفعالنا اليومية لابد أن تستند إلى نماذج ذهنية غير مكتملة ومضللة في بعض الأحيان.

ولا يختلف أفضل ما تستطيع العلوم الاجتماعية تقديمه كثيراً في واقع الأمر. فعلماء الاجتماع ــ وخبراء الاقتصاد بشكل خاص ــ يعكفون على تحليل العالم بالاستعانة بأطر مفاهيمية بسيطة يسمونها "نماذج". وتكمن قيمة مثل هذه النماذج في إسهامها في توضيح سلسلة الأسباب والتأثيرات، وبالتالي تجعل الافتراضات المحددة التي تستند إليها التنبؤات شفافة.