21

فخ التقمص الوجداني

برينستون ــ بعد فترة وجيزة من انتخاب باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة، قال لفتاة صغيرة: "إننا نفتقر إلى القدر الكافي من التعاطف في عالَمنا اليوم، ونحن نعتمد على جيلكم لتغيير هذه الحال". الواقع أن أوباما أعرب عن وجهة نظر شائعة، ولهذا السبب، كان عنوان الكتاب الجديد "ضد التقمص الوجداني"، لعالِم النفس بول بلوم من جامعة ييل، صادما. فكيف لأي شخص أن يكون ضد شيء يمكننا من وضع أنفسنا في مكان الآخرين والشعور بما يشعرون به؟

للإجابة على هذا السؤال، ربما نطرح سؤالا آخر: مع من ينبغي لنا أن نتعاطف؟ فيما يستعد دونالد ترامب للحلول محل أوباما، يقترح المحللون أن هيلاري كلينتون خسرت انتخابات الشهر الماضي لأنها كانت تفتقر إلى التعاطف مع الأميركيين من ذوي البشرة البيضاء، وخاصة الناخبين في منطقة حزام الصدأ الذين يتوقون إلى الأيام التي كانت فيها الولايات المتحدة قوة عظمى في عالَم التصنيع. والمشكلة هي أن التعاطف مع العمال الأميركيين يتعارض مع التعاطف مع العمال في المكسيك والصين، الذين ستكون أحوالهم أسوأ في غياب الوظائف مقارنة بنظرائهم الأميركيين.

الواقع أن التعاطف يجعلنا أكثر لطفا وشفقة في التعامل مع الناس الذين نتعاطف معهم. وهو أمر طيب، ولكنه لا يخلو أيضا من جانب مظلم. في الخطب التي ألقاها أثناء حملته الانتخابية، استخدم ترامب مقتل كيت شتاينلي المأساوي على يد مهاجر غير شرعي في حشد التأييد لسياساته المناهضة للمهاجرين. وهو لم يعرض بطبيعة الحال أي تصور على نفس القدر من القوة للمهاجرين غير الشرعيين الذين أنقذوا أرواح غرباء، برغم أن التقارير أوردت مثل هذه الحالات.

تثير الحيوانات ذات العيون المستديرة الواسعة، مثل صِغار الفقمة، قدرا من التعاطف أكبر من ذلك الذي نشعر به إزاء الدجاج، الذي نلحق به قدرا أكبر كثيرا من المعاناة. بل وقد يتردد الناس في إلحاق "الأذى" بالروبوتات التي يعلمون أنها لا تشعر بأي شيء على الإطلاق. من ناحية أخرى، يثير السمك ـ البارد، الزلق، والذي يعجز عن الصراخ ــ قدرا ضئيلا من التعاطف، برغم توفر عدد كبير من الأدلة التي تؤكد، كما يزعم جوناثان بالكومب في كتاب "ماذا تعرف السمكة"، أن الأسماك تشعر بالألم تماما كما تشعر به الطيور والثدييات.

على نحو مماثل، يُفضي التعاطف مع حفنة من الأطفال الذين تضرروا، أو يُعتَقَد أنهم تضرروا، بفِعل اللقاحات إلى تحريك المقاومة الشعبية لتطعيم الأطفال ضد أمراض خطيرة. ونتيجة لهذا، يمتنع الملايين من الآباء عن تحصين أطفالهم، ويصبح مئات الأطفال مرضى، مع تضرر عدد منهم بفِعل المرض، وبشكل قاتل أحيانا، أكبر كثيرا مقارنة بالمتضررين بآثار سلبي�� ناجمة عن اللقاح.

وقد يجعلنا التعاطف نتصرف على نحو ظالم. في إحدى التجارب، استمع الأشخاص موضوع التجربة لمقابلة مع طفل مصاب بمرض عضال غير قابل للشفاء. وطُلِب من بعضهم أن يحاولوا تحري الموضوعية بقدر الإمكان، في حين طُلِب من آخرين أن يتخيلوا كيف قد يشعر الطفل. ثُم طُلِب من الجميع أن يقرروا ما إذا كانوا يريدون رفع الطفل إلى مستوى أعلى على قائمة الانتظار لتلقي العلاج، قبل أطفال آخرين جرى تقييم حالاتهم بأنهم يستحقون أولوية أعلى. وقد وافق ثلاثة أرباع من أولئك الذين طُلِب منهم أن يتخيلوا كيف قد يشعر الطفل على رفعه، مقارنة بثلث فقط من أولئك الذين طُلِب منهم أن يحاولوا تحري الموضوعية.

"وفاة واحدة تُعَد مأساة؛ أما وفاة مليون فهي مجرد إحصائية". إذا كان التعاطف يجعلنا نحابي الأفراد بشكل مبالغ فيه، فإن الأعداد الكبيرة تخدر المشاعر التي يجب أن تنتابنا. مؤخرا أنشأ مركز أبحاث القرار غير الربحي الذي يتخذ من ولاية أوريجون مقرا له موقعا على شبكة الإنترنت بعنوان (ArithmeticofCompassion.org)، والذي يهدف إلى تعزيز قدرتنا على نقل المعلومات عن مشاكلنا الواسعة النطاق من دون إثارة "الخدر المتصل بالأعداد الكبيرة". في عصر حيث تنتشر القصص الشخصية المبهرة كالنار في الهشيم وتؤثر على السياسة العامة، من الصعب أن نفكر في أي شيء أكثر أهمية من مساعدة الجميع على رؤية الصورة الأكبر.

أن يكون المرء ضد التقمص الوجداني لا يعني أنه ضد الشفقة. في واحد من أكثر أقسام كتاب "ضد التقمص الوجداني" إثارة للاهتمام، يصف بلوم كيف تعلم حول الاختلافات بين التقمص الوجداني والشفقة من الراهب البوذي ماتيو ريكارد الذي يوصف أحيانا بأنه "أسعد رجل على وجه الأرض". فعندما طلبت عالِمة الأعصاب تانيا سنجر (لا تجمع بيننا قرابة) من ريكارد أن ينخرط في "التأمل الشفوق" أثناء مسح دماغه بأجهزتها، فوجئت بأنها لم تر أي نشاط في مناطق الدماغ التي تنشط عادة عندما يتعاطف الناس مع آلام أخرين. وكان بوسع ريكارد أن يتعاطف، حسب الطلب، مع آلام آخرين، ولكنه وجد ذلك أمرا غير سار ومنهكا؛ وفي المقابل، وَصَف التأمل الشفوق بأنه "حالة إيجابية دافئة ترتبط بدافع قوي محتضن للمجتمع".

وقد تولت سنجر أيضا تدريب غير المتأملين على الانخراط في التأمل الشفوق، من خلال التفكير بعطف في سلسلة من الأشخاص، بدءا بشخص قريب من المتأمل ثم الانتقال إلى الخارج إلى أشخاص غرباء. وربما يؤدي مثل هذا التمرين إلى سلوك أكثر عطفا.

التأمل الشفوق قريب لما يسمى أحيانا "التعاطف الإدراكي"، لأنه ينطوي على التفكير في الأخرين وفهمهم، بدلا من التفكير في مشاعرنا. ويقودنا هذا إلى الرسالة الأخيرة المهمة في كتاب بلوم: فقد أدت الطريقة التي يسير بها عِلم النفس إلى التقليل من شأن الدور الذي يلعبه العقل في حياتنا.

عندما يُظهِر الباحثون أن بعض اختياراتنا ومواقفنا التي يفترض أنها مدروسة بعناية ربما تتأثر بعوامل غير جوهرية، مثل لون الحوائط، أو رائحة الغرفة، أو وجود موزع مواد تطهير اليد، تُنشر النتائج التي يخلصون إليها في مجلات علم النفس بل وربما حتى تجد طريقها إلى العناوين الرئيسية في وسائل إعلام شعبية. أما البحوث التي تُظهِر أن الناس يتخذون قراراتهم استنادا إلى أدلة جوهرية فيصعب نشرها، ناهيك عن الدعاية لها. ولهذا فإن علم النفس ينحاز ضمنا ضد الرأي القائل بأننا نتخذ القرارات بطرق متعقلة.

الواقع أن رؤية بلوم الأكثر إيجابية لدور العقل تتناسب مع ما أعتبره الفهم الصحيح للأخلاق. فالتقمص الوجداني وغيره من العواطف كثيرا ما تدفعنا إلى القيام بما هو صحيح، ولكنها من المحتمل بنفس القدر أن تدفعنا إلى القيام بما هو خطأ. وفي اتخاذنا لقرارات أخلاقية، تلعب قدرتنا على التفكير العقلاني دورا حاسما.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali