Credit cards Peter Macdiarmid/Getty Images

استقصاء أسعار الفائدة المنخفضة

واشنطن العاصمة - لسنوات بعد الأزمة المالية لعام 2008، فرح صانعو السياسات بتجنب حدوث الكساد الكبير الثاني. وقاموا بالتصدي للركود العالمي بواسطة نوع من التحفيز المالي والنقدي الكينزي في اللحظة المطلوبة.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

ولكن رغم مرور تسع سنوات، لا تزال أسعار الفائدة الرسمية تدور حول الصفر، في حين كان معدل النمو متوسطا. ومنذ عام 2008، نما اقتصاد الاتحاد الأوروبي بمتوسط سنوي يبلغ 0.9 في المائة فقط.

إن الإجماع الكينزي الواسع الذي نشأ مباشرة بعد الأزمة أصبح بمثابة العقيدة الاقتصادية السائدة اليوم: ما دام النمو دون المستوى المطلوب، والتضخم السنوي أقل من 2٪، فإن المزيد من التحفيز لا يعتبر مناسبا فحسب، بل ضروريا.

إن الحجج الكامنة وراء هذه العقيدة ليست منطقية. بداية، فمستويات التضخم جد ضعيفة، بل تكاد تكون جزافية. وكما أشار مارتن فلدشتاين من جامعة هارفارد، الحكومات ليس لديها طريقة جيدة لقياس تضخم الأسعار للخدمات والتكنولوجيات الجديدة، التي تمثل حصة أكبر من الناتج المحلي الإجمالي للاقتصادات المتقدمة، وذلك لأن الجودة في هذه القطاعات تختلف اختلافا كبيرا بمرور الوقت. علاوة على ذلك، فإن العقارات والأصول الأخرى لم تدرج في المحاسبة.

القرار برفع التضخم بمعدل سنوي قدره 2٪ هو أيضا جزافي. إن مفهوم الاقتصاد السويدي "كنوت ويكسيل" الذي يعود إلى قرن من الزمان حول سعر الفائدة "الطبيعي" منطقي، حيث يتبع فيه نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي (المعدل حسب التضخم) متوسطا طويل الأمد مع تضخم مستقر. ولكن لماذا يجب أن يكون معدل التضخم دائما 2٪؟ ولماذا لا تستبعد الخدمات أو التكنولوجيات الجديدة أو السلع المصنعة الصينية قياس التضخم الأساسي جنبا إلى جنب مع الطاقة والمواد الغذائية؟

نظرا لهذه العيوب، يجب أن نتساءل عما إذا كان مبدأ المصارف المركزية في "استهداف التضخم" سيعاني من نفس مصير الأزمة النقدية في الثمانينيات، عندما كان صناع السياسات قلقون بشأن توفير الأموال. وكما هو الحال بالنسبة للتضخم اليوم، لم يكن لدى المصرفيين المركزيين طريقة موثوقة لقياس مبالغ النقود، ناهيك عن تحقيق النتائج المرجوة للسياسة النقدية.

علينا النظر إلى آثار العجز الكبير في الميزانية باعتبارها حافزا غير موثوق. في عام 2017، ارتفع النمو الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي إلى معدل سنوي قدره 2.3٪، بعد أن خفضت الدول الأعضاء في نهاية المطاف العجز في ميزانيتها إلى متوسط 1.5٪، مقابل 6.4٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2010. ويبدو أن التحفيز المالي بعد الأزمة لم يكن المحفز الوحيد. وعلى النقيض من ذلك، يبدو أن السياسات المالية الأكثر تشددا في السنوات الأخيرة كان لها أثر إيجابي.

وعادة ما تؤدي الأزمة المالية إلى إصلاحات هيكلية كبرى. غير أن أزمة عام 2008 أو أزمة اليورو اللاحقة، التي نجمت عن الدين العام المفرط، والذي أدى بدوره إلى تخفيض كبير في قيمة الديون والتدمير الخلاق في البلدان المتضررة. ومن الواضح أن تزايد الإنفاق الحكومي قد أدى إلى تخفيف الحاجة إلى إصلاحات صعبة، وسمح للمؤسسات القائمة بتعزيز مراكزها بتمويل رخيص. وقد منع أي فرصة للتجديد الهيكلي.

وفي دول الاتحاد الأوروبي، ارتفع متوسط الدين العام من 73٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2009 إلى 86٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2016، وهو أعلى بكثير من 60٪ من الناتج المحلي الإجمالي الذي حددته معايير ماستريخت. وفي جنوب أوروبا، فاٍن الديون العامة ضخمة وستؤدي إلى خفض النمو لسنوات قادمة.

ومع ذلك، فمن المحتمل أن يكون العقد الماضي من أسعار الفائدة الجد منخفضة أكثر ضررا من سنوات العجز في الإنفاق. لا يوجد أي تنبؤ حول مكان وزمان نهاية الازدهار المالي القادمة. لكن بإمكاننا أخذ بعين الاعتبار استنتاجات الخبراء الاقتصاديين مثل الراحل تشارلز كيندلبرجر وكينيث روجوف وكارمن راينهارت من جامعة هارفارد، والسير قدما بعناية.

على كل حال، يمكن للمرء أن يحرز التقدم في جميع المجالات. لقد وصلت أسعار العقارات وغيرها من الأصول إلى مستويات قياسية في معظم أنحاء العالم. وزادت قيمة بيتكوين في التداول عشرة أضعاف هذا العام، حيث وصلت إلى 170 مليار دولار، على الرغم من أن القيمة الأساسية لكريبتوكيرنسي لا تزال مشكوك فيها في أحسن الأحوال.

وأسفرت أسعار الفائدة الجد منخفضة عن مثل هذا التدافع من أجل تحقيق عائدات أعلى حيث يتمكن بلد فقير مثل طاجيكستان من بيع السندات الأوروبية. وبالنسبة للرئيس الطاجيكي إمومالي رحمون، فإن ذلك يتجاوز الحصول على مساعدة من صندوق النقد الدولي، الذي يتطلب إصلاحات جوهرية. وبفضل انخفاض أسعار الفائدة، يمكن أن يستمر رحمون في إساءة حكم جمهوريته السوفيتية السابقة ويفعل ما يراه مناسبا.

ومن الواضح أن هناك الكثير من الضحايا الآخرين لأسعار الفائدة المنخفضة للغاية. وقد شهد المدخرون من الطبقة المتوسطة انخفاض القيمة الحقيقية لودائعهم المصرفية سنويا بمعدل 2٪ تقريبا، وعانى كثير من المتقاعدين من انخفاض كبير في معاشاتهم التقاعدية، التي تُستثمر عادة في أصول آمنة، وبالتالي تسفر عن عوائد ضئيلة.

وينطبق الشيء نفسه على العديد من أشكال التأمين. إن وضع شركات التأمين على ما يرام، وذلك راجع لخفض الفوائد بشكل كبير مما سيجعل زبائنهم يتساءلون قريبا حول سبب استغنائهم عن السياسات في المقام الأول.

حتى البنوك في وضعية لا تحسد  عليها. أما في الاقتصادات المتقدمة، فإن المقرضين التقليديين يخضعون الآن لمثل هذه التنظيمات حيث اضطروا إلى الانسحاب من المعاملات الأجنبية. وليس من المستغرب أن الوسطاء الأقل تنظيما في النظام المصرفي قد استحوذوا على جزء كبير من أعمالهم.

تقليديا، ركزت الأعمال المصرفية على جذب الودائع وإصدار القروض. ولكن نتيجة لمعدلات الفائدة "المنخفضة على المدى الطويل"، أصبحت حصة المصارف هذه أصغر من أي وقت مضى، واضطرت البنوك إلى فرض رسوم متزايدة على مختلف الخدمات المالية الأخرى.

إضافة إلى ذلك، فإن معدلات الفائدة المنخفضة قد حولت الأموال نحو مؤسسات مالية أقل شفافية وأكثر تأملا، مثل الأسهم الخاصة والصناديق المغطاة. وتزدهر هذه المؤسسات عن طريق الائتمان الرخيص الذي يتمتع بمعاملة أفضل من تمويل الأسهم في معظم النظم الضريبية الغربية.

ولم يستفد السكان من انخفاض أسعار الفائدة ، وبالتأكيد الطبقة الوسطى، بل كان لها أثر إيجابي على الأغنياء - نحو 0.1٪. وقد اتسعت فجوة الثروة العالمية بشكل كبير في العقد الماضي، وخاصة في الولايات المتحدة، حيث يدفع الأغنياء ضرائب قليلة بفضل قواعد خاصة مثل "الفائدة المنقولة". وبموجب الخطة الضريبية الجديدة التي أتى بها الجمهوريون، فإن الأثرياء سيدفعون أقل بكثير.

والسؤال الآن هو ما إذا كانت المؤسسات الغربية قوية بما فيه الكفاية لاحتواء البلوتوقراطية العالمية التي أدت إلى انخفاض أسعار الفائدة.

http://prosyn.org/c11KnJx/ar;

Handpicked to read next