Laptop keyboard Andrew Brookes/Getty Images

تحقيق التحول الرقمي

نيودلهي- ينشر المنتدى الإقتصادي العالمي في كل عام تقريرا للمخاطر العالميه يستخلص فيها أراء الخبراء وصناع السياسات حول العالم وفي هذا العالم كان الأمن السيبراني على رأس المخاوف العالميه كما ينبغي أن يكون . لقد شهد العالم سنة 2017 تصعيدا مستمرا للهجمات السيبرانيه  والإختراقات الأمنيه التي أثرت على جميع فئات المجتمع وليس هناك أي سبب يدعونا للإعتقاد بإن سنة 2018 ستكون سنة مختلفه .

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

إن تداعيات هذا الموضوع ستكون بعيدة المدى ولكن أقربها هو أنه يتوجب علينا التعامل مع إدارة الإنترنت بالإضافة الى الإنترنت نفسه والا سنضيع الفرص التي تمنحها التقنيات الرقميه وذلك في خضم سباق تسلح تنظيمي وقانوني مع وجود حدود وتوترات عالميه جديده.

ولكن هناك قضيه أشمل فعلى الرغم من كل السرعه التي نمضي من خلالها قدما لدخول العصر الرقمي فإن الجهود المبذوله لضمان إستقرار عالمي ما تزال متخلفه بمسافه كبيره عن اللحاق بالركب ففي كثير من النواحي ما يزال عالمنا منظما على أساس إطار السياده ضمن الحدود أي أن الدول التي تتمتع بحدود معترف بها (في معظم الحالات) هي أساس النظام العالمي وتفاعلات تلك الدول ورغبتها في تقاسم السياده هو ما يحدد النظام العالمي الحالي .

لكن العولمه قد غيرت بشكل تدريجي الحقائق على الأرض وبينما كانت قوة العولمة في حالة مد وجزر منذ العقود التي سبقت الحرب العالميه الأولى ، إلا أنها اليوم تعاني من التراجع بسبب التطورات الجيوسياسيه والإندفاع من أجل إبطاء رتم التغير التقني ولكن بالرغم من كل ذلك فإن التحول الرقمي سوف يدفع بالعولمه للإمام وإن كان بشكل مختلف فالخاصيه الرئيسيه للإنترنت هو البناء غير المناطقي فعندما نفكك الحدود التقليديه فإن هذا يشكل تحديا مباشرا لإساس نظام السياده .

إن هذا تطور إيجابي عميق لإنه يسهل من حرية التعبير وتبادل البضائع والأفكار عبر الحدود ولكن مثل كل الإختراعات البشريه فإن من الممكن إساءة إستخدام الإنترنت كما رأينا من خلال الزياده في الجرائم السيبرانيه والتحرش على الإنترنت وخطاب الكراهيه والتحريض على العنف والتطرف على الإنترنت.

إن التقليل من تلك الإساءات خلال السنوات المقبله سيتطلب تعاونا دوليا وثيقا من أجل التأسيس لقواعد مشتركه وتطبيقها فلا يوجد حل منعزل حيث لا يمكن لأي حكومه لوحدها التعامل مع المشكله .

لقد نشأ مع الوقت خليط مرتبك من المنظمات من أجل أن تجمع معا المجتمع التقني وقطاع الأعمال والحكومات والمجتمع المدني. إن هيئه مثل هيئة تعاون الإنترنت للإسماء والأرقام المحدده وهيئة قوة مهام هندسة الإنترنت وإتحاد شبكة الإنترنت العالميه توفر حاليا الإداره الفعليه للإنترنت ولكن الحوكمة على الإنترنت هي أكثر تعقيدا بكثير فالساحه المؤسساتيه هي مزدحمه وغير مستقره.

إن هذه الساحه مزدحمة بسبب وجود العديد من الأطراف يتنافسون على تشكيل الإطار المعياري للفضاء السيبراني فالعديد من البلدان لديها وزارات متعدده مختصه من أجل تنظيم نشاط الإنترنت .إن المواقع الإلكترونيه وخدمات الانترنت لديها تعليمات وبنود للخدمه تتباين بشكل كبير . إن مطوري القطاعين العام والخاص يحددون تصميم البنيه التحتيه المتغيره للإنترنت  كما أن مجموعات المجتمع المدني المختلفه تقترح مبادىء خاصة بها فيما يتعلق بالإنترنت بينما تحاول المنظمات الدوليه تطوير إتفاقيات متعددة الإطراف.

إن الساحه ما تزال غير مستقره وذلك نظرا لإن التعاون بين الحكومات قد تعطل بشكل كبير وذلك بسبب الأولويات المتعارضه للبلدان ومما يزيد الأمر سوءا أن المجال محدود جدا لإصحاب المصالح المختلفين من أجل التواصل وتصميم حلول عملياتيه .

وفي غياب إطر يتم الإتفاق بشأنها بشكل متبادل فإن الحكومات عادة ما تتجه إلى تبني إجراءات أحاديه قصيره المدى – التوطين الإجباري للبيانات والقيود المبالغ فيها على المحتوى والمراقبه التطفليه – من أجل التعامل مع المخاوف الحاليه أو كإستجابه للضغوطات السياسيه المحليه وبعمل ذلك فإن الحكومات تزيد من التوترات العالميه عوضا عن تخفيفها.

إن الحوكمه الرقميه تؤثر على كل شيء وذلك من الأمن السيبراني إلى الإقتصاد وحقوق الإنسان والغموض المتعلق بالقوانين المطبقه في مناطق السلطات القضائيه المختلفه تضعف تطبيقها جميعا مما يترك الجميع في وضع اسوأ كما أن الإجراءات المتخذه للتعامل مع بعد واحد يمكن أن تؤثر على الأبعاد الأخرى مما يعني أن قرارات متسرعه وغير منسقه فيما يتعلق بالسياسات يمكن أن يكون لها عواقب سلبيه بشكل عام .

عندما تشرفت بترؤس المفوضيه العالميه لحكومة الإنترنت سلط تقريرنا لسنة 2016 الضوء على تلك المخاطر ودعا " لميثاق إجتماعي جديد" من أجل ضمان أن إنترنت المستقبل سيكون متاحا للجميع وشاملا وآمنا ومحل للثقه .

إن التقدم الذي تم إحرازه منذ ذلك الوقت كان محدودا وذلك نظرا لإن الجهود في الأمم المتحده من أجل تأسيس أحكام عالميه سيبرانيه قد وصلت لطريق مسدود مما يعني أنه يتوجب إيجاد مبادرات بديله للدفع قدما بهذه العمليه.

لحسن الحظ فإن المفوضيه العالميه لإستقرار الفضاء السيبراني قد أصدرت مؤخرا دعوه مهمه لحماية الجوهر العام للإنترنت  علما أن مؤتمر الإنترنت وسلطة الإختصاص القضائي القادم في أوتاوا سيكون بمثابة فرصه سانحه أخرى لصناع السياسات من أجل الإستمرار في العمل للتوصل لحلول.

إن مثل هذه الإجراءات التقنيه والتشريعيه تعتبر ضروريه من أجل تشكيل التحول العالمي من الحقبه الصناعيه الى الحقبه الرقميه علما أنه من أجل تجنب سباق تسلح قانوني يتوجب على صناع السياسات تطوير مقاربه ذكيه لمجموعه من القضايا الشائكه وذلك من أطر المساعده المتبادله المتعلقه بالتحقيقات إلى دور مديري أسماء النطاق ومزودي الخدمه في التعامل مع الخطاب المسيء على الإنترنت.

إن تحقيق التجانس في السياسات عبر مناطق الإختصاص القضائي يجب أن يكون على قمة الأولويات حيث أن عمل ذلك سيتطلب تواصل مباشر ومستدام بين جميع الأطراف المختصه وحينها فقط يمكننا التأسيس لإطار من أجل المحافظه على الطبيعه العابره للحدود بالنسبة للإنترنت وحماية حقوق الإنسان ومحاربة الإساءه وإستدامة إقتصاد رقمي عالمي بحق .

وكما قال كوفي آنان سنة 2004 : " من أجل إدارة وتشجيع وحماية وجود الإنترنت في حياتنا، لا يجب أن نكون أقل إبتكارا من أولئك الذين أخترعوه". إن سيادة الحدود قد أصبحت خلفنا والذي يأتي بعد ذلك متروك لنا.

http://prosyn.org/8fwjG17/ar;

Handpicked to read next