A box containing viles of human embryonic Stem Cell cultures Sandy Huffaker/Getty Images

الكأس المقدسة للهندسة الوراثية

هونغ كونغ - منذ ظهورها قبل أربعة عقود، كانت الهندسة الوراثية مصدرا لآمال كبيرة على الصحة والزراعة والصناعة. ولكنها أثارت قلقا بالغا، لاسيما بسبب الطبيعة الشاقة لعملية تحرير الجينوم. الآن، هناك تقنية جديدة تدعى كريسبر- كاس، تقدم كل من الدقة والقدرة على تعديل نص الجينوم في عدة أماكن في وقت واحد. ولكن هذا ليس سببا كافيا للاٍطمئنان.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

ويمكن اعتبار الجينوم كنوع من العلامة الموسيقية. ومثلما يخبر لوح الموسيقى الموسيقيين في أوركسترا متى وكيف يعزفون، فإن الجينوم يخبر الأجزاء المكونة للخلية (البروتينات عموما) بما يجب عليهم القيام به. قد تشمل العلامة الموسيقية أيضا ملاحظات من الملحن، والتي تبين التغييرات الممكنة، كل ما يمكن أن يضاف أو يحذف تبعا للظروف. وبالنسبة للجينوم، تظهر هذه "الملاحظات" من بقاء الخلايا على مدى أجيال عديدة في بيئة متغيرة باستمرار.

إن البرنامج الجيني للحمض النووي يشبه كتابا هشا: يمكن أن يتغير ترتيب صفحاته، مع نقل بعضها إلى برنامج خلية أخرى. إذا كانت الصفحة مغلفة، فلا يمكن أن تمزق إذا ما نقلت من مكان لآخر. وبالمثل، فإن عناصر برنامج وراثي محمي بطبقة صلبة تكون أكثر قدرة على غزو مجموعة متنوعة من الخلايا، ثم تتكاثر مع إعادة إنتاج الخلية.

وفي نهاية المطاف، يصبح هذا العنصر فيروسا سريع الانتشار. وتكمن الخطوة التالية في الخلية التي تعيد إنتاج الفيروس، سواء حميد أم خبيث، لتطوير بعض الطرق لمقاومته. وفي الواقع، كانت هذه هي الطريقة - كدفاع البكتيريا ضد الفيروسات المنتشرة - التي ظهرت من خلالها تقنية كريسبر- كاس لأول مرة.

وبذلك تسمح هذه التقنية للخصائص المكتسبة أن تصبح موروثة. وأثناء العدوى الأولى، يتم نسخ جزء صغير من الجينوم الفيروسي - وهو بمثابة توقيع - إلى جزيرة كريسمر الجينومية (قطعة إضافية من الجينوم، خارج نص الجينوم الأم). ونتيجة لذلك، يتم الاحتفاظ بذكرى العدوى عبر الأجيال. عندما يصاب سليل الخلية بفيروس، تتم مقارنة التسلسل بالجينوم الفيروسي. إذا أصاب فيروس مماثل والدة الخلية، فإن السليل سيتعرف عليه، والآلية المخصصة سوف تدمره.

لقد استغرقت هذه العملية المعقدة عدة عقود ليتمكن العلماء من حلها، لأنها تناقض النظريات القياسية للتطور. ولكن الآن قد اكتشف العلماء كيفية تكرار العملية، وتمكين البشر من إعداد جينومات معينة بدقة كبيرة - الكأس المقدسة للهندسة الوراثية لما يقرب من 50 عاما.

وهذا يعني أنه بإمكان العلماء تطبيق آلية كريسبر- كاس لتصحيح المشاكل في الجينوم - أي ما يعادل الأخطاء المطبعية في نص مكتوب. على سبيل المثال، في حالة السرطان، نود تدمير تلك الجينات التي تسمح بتكاثر الخلايا السرطانية. نحن مهتمون أيضا بإدخال الجينات في الخلايا التي لم تكتسبها قط من قبل النقل الجيني الطبيعي.

ليس هناك شيء جديد حول هذه الأهداف. ولكن، مع كريسبر- كاس، نحن على أتم استعداد لتحقيقها. وقد خلفت التقنيات السابقة آثار في الجينومات المعدلة، وساهمت، على سبيل المثال، في مقاومة المضادات الحيوية. وعلى النقيض من ذلك، فإن الطفرة التي حصلت عليها تقنية كريسبر- كاس لا يمكن تمييزها عن طفرة ظهرت بشكل عفوي. ولهذا قضت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية بأن هذه التركيبات لا تحتاج إلى وصفها بالكائنات المعدلة وراثيا.

كانت التقنيات السابقة متعبة خاصة لَما كانت هناك حاجة لتعديل العديد من الجينات، لأن العملية سوف تجري بالتتابع. مع كريسبر- كاس، دعمت القدرة على إجراء تعديلات الجينوم في وقت واحد خلق الفطر والتفاح الذي لا يتأكسد، أو يتحول لونه إلى بني، عندما يلامس الهواء - وهي النتيجة التي تتطلب عدة جينات ليتم إبطال مفعولها في وقت واحد. مثل هذا التفاح موجود بالفعل في السوق، ولا يعتبر من الكائنات المعدلة وراثيا.

وهناك تطبيقات أخرى قيد التطوير. إن ما يسمى بإجراء المحرك الجيني للتحكم في الجينوم يمكن أن يقلل من الضرر الناجم عن الحشرات التي تحمل المرض. كما أن التعديل المستهدف للأشجار في البعوض - الحيوان الأخطر على حياة الإنسان عالميا - سيجعلهم غير قادرين على نقل الفيروس أو الطفيليات.

ولكن يجب أن يتم التعامل مع تطبيق كريسبر- كاس بعناية شديدة. في حين يمكن لهذه التكنولوجيا أن تكون بمثابة نعمة في مكافحة العديد من الأمراض القاتلة، لكنها تشمل أيضا مخاطر كبيرة - وربما لا يمكن التنبؤ بها تماما. أولا، لأن الجينوم يتضاعف وينتشر مع التكاثر، فاٍن تعديل السكان سوف يتطلب تعديلات لعدد محدود فقط من الأفراد، وخاصة إذا كانت دورة حياة الكائن الحي قصيرة.

ثانيا، نظرا لانتشار التهجين في أوساط الأنواع المجاورة، فمن الممكن انتشار تعديل أنواع البعوض تدريجيا ودون أي رقابة على الأنواع الأخرى. ويُظهر تحليل الجينومات الحيوانية أن مثل هذه الأحداث قد حدثت في الماضي، مع غزو الأنواع من قبل العناصر الوراثية التي يمكن أن تؤثر على أرصدة النظم الإيكولوجية وتطور الأنواع (على الرغم من أنه من المستحيل معرفة كيف). وإذا كان تعديل عدد من البعوض أمرا خطيرا، فلا يمكن التنبؤ بما يمكن أن يحدث إذا ما عدلنا الخلايا البشرية - ولاسيما الخلايا الجرثومية - دون العناية اللازمة.

إن تكنولوجيا كريسبر- كاس على استعداد لتغيير العالم. ومن الضروري الآن ضمان أن تكون تلك التغييرات إيجابية.

http://prosyn.org/fBpbhtr/ar;