0

تجريم فيروس نقص المناعة المكتسبة البشري (HIV)

جوهانسبرج ـ في رواية أوليفر تويست للكاتب تشارلز ديكنز ، يقول السيد بامبل: "إن كان القانون يفترض ذلك، فإن هذا القانون حمار كبير." تبدو هذه الإدانة التي وجهها السيد بامبل مناسبة تماما لوصف القانون الجنائي الذي يحبذ ألا يعلم حاملو فيروس نقص المناعة المكتسبة البشري بإصابتهم بالفيروس، وأنهم قد ينشرونه بين الآخرين، لاسيما بين أحبائهم.

ومع ذلك فمن المؤسف أن المشرعين في كثير من أنحاء العالم، وفي محاولة مضللة لمكافحة انتشار فيروس نقص المناعة ومرض نقص المناعة المكتسبة، قد وافقوا على قوانين جنائية تروج للجهل بالمرض، وتعاقب ضحاياه، وتعزز من فرص انتقال الفيروس إلى ضحايا جدد. فبعض دول وسط وغرب أفريقيا بصدد سَنِّ تشريعات سيئة الإعداد استناداً إلى القانون الإفريقي النموذجي، والذي يعتبر أي شخص مصاب بالفيروس مجرماً،  إن قام بنقل الفيروس لشخص آخر، أو عَرَّضه له. وفي بعض التشريعات يستطيع المدعي العام أن يوجه الاتهام إلى النساء الحوامل المصابات بفيروس نقص المناعة، بسبب احتمال تعريضهن أطفالهن الذين لم يولدوا بعد للإصابة بالفيروس.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

هذا، ومن المؤكد أن هناك حالات نادرة حيث يتعمد فيها شخص ما مصاب بالفيروس بإصابة آخر بنية مبيتة لإلحاق الأذى به. والواقع أن بعض حاملي الفيروس أو المصابين بمرض نقص المناعة المكتسبة يتعمدون اغتصاب الفتيات على اعتقاد منهم بأن ممارسة الجنس مع العذارى نوع من العلاج. كما قامت بعض المدافعات عن حقوق النساء بدعم القوانين التي تُجَرِّم نقل الإصابة بفيروس نقص المناعة، زاعمات أن هذه القوانين من شأنها أن تعاقب الرجال الذين أخفوا إصابتهم بالفيروس عن شركائهن في ممارسة الجنس، بما في ذلك الزوجات أو الصديقات. وعلى الرغم من ذلك فأن القوانين الجنائية الحالية أكثر من كافية بحيث تسمح لأجهزة العدالة التي تمتلك الإرادة اللازمة بفرض العقوبات المناسبة لردع الأشخاص الذين يقصدون إلحاق الأذى بالغير.

ورغم أن قوانين الجنايات تستهدف كل حاملي الفيروس، إلا أنها تعتبر غير إيجابية وهدامة وبعيدة تماما عن روح العدالة. إذ أن مثل هذه القوانين تحول الملايين من ضحايا المرض الأبرياء، وبخاصة ضحايا المرض من النساء، إلى مجرمين. فعلى سبيل المثال، صدر الحكم مؤخراً ضد إحدى النساء في زيمبابوي لتعريضها رفيقها لفيروس نقص المناعة، بالرغم من أنها لم تنقل له العدوى به. وفي أوكرانيا، سَجَّل محامو حقوق الإنسان تلك القضية المكَدٍّرة لامرأة أدينت بنقل فيروس نقص المناعة لزوجها، رغم  أنه كان  يستعمل الواقي الذكري، وبرغم مطالبته أيضا بسحب الاتهامات الموجهة إليها.

إن التحيز للنوع ضد المرأة ينتشر في كل مكان بإفريقيا، وعادة ما يتم إلقاء اللوم على النساء باعتبارهن مسؤولات عن نقل فيروس نقص المناعة إلى شركائهن في العلاقات الجنسية. وينبعث هذا التصور الخاطئ الشائع، على الأقل في جزء منه، انطلاقاً من حقيقة مفادها أن النساء من المرجح بصورة أكبر أن يعلمن بإصابتهن بالفيروس أو عدم إصابتهن به، وذلك لأنهن يخضعن بصورة دورية لاختبار الفيروس في عيادات النساء والتوليد، حين يجرين اختبارات الحمل وغير ذلك من الفحوصات.

وعلى الجانب الآخر، فإن أغلب الرجال يرفضون لأسباب الخوف، أو الجهل، أو الكبرياء، أو لأسباب دينية أحياناً، أن يخضعوا للاختبارات طواعية. وهذا من شأنه أن يؤثر على أحكام القضايا القانونية، لأن نقص إجراء الاختبارات على الرجال يجعل من المستحيل على المرأة المصاب�� بالفيروس، أن تثبت أمام هيئة المحكمة أن شريكها في ممارسة الجنس هو الذي نقل العدوى إليها.

إن القوانين التي تُجَرِّم نقل العدوى بفيروس نقص المناعة، تؤثر سلبا على الصحة العامة، وذلك لأنها تُثني حاملي الفيروس ومن يتعرضون لخطر احتمال الإصابة بالفيروس، عن إجراء الاختبار، أو طلب المشورة، وبالتالي العلاج. فحينما يواجه الأفراد احتمال التعرض لطائلة القانون الجنائي، يكون التَّذَرُّع بجهلهم بإصابتهم بفيروس نقص المناعة، أكثر وسائل الدفاع القانوني فعالية. ومن هنا فإن الادعاء سوف يعمل على إثناء الكثيرين ـ وبخاصة الرجال وهؤلاء الأشخاص الذين يعيشون في أماكن حيث لا يتوافر علاج فيروس نقص المناعة إلى حد كبير ـ عن الخضوع للاختبارات، لأنها قد تعرضهم لخطر تحمل المسؤولية الجنائية.

مثل تلك القوانين تُحَوِّل ضحايا فيروس نقص المناعة إلى كِباش فداء لمشكلة مجتمعية، فشلت الحكومات والمجتمعات الكبيرة في اتخاذ خطوات فعّالة، أو تنطوي أحياناً على مجازفة سياسية أو ثقافية، قادرة على التغلب على المرض. ومن المؤسف أن هذه الخطوات التي تحمل في طياتها المخاطرة، تشتمل على أمور أولية مثل المناقشة الصريحة للمرض، والتعليم، وتشجيع الناس، وبخاصة الرجال، للخضوع للفحوصات.

لقد أزهق مرض نقص المناعة المكتسبة أكثر من 25 مليون نفس منذ تعرف عليه علماء الطب للمرة الأولى العام 1981. بيد أن الإصابات الجديدة ما زالت تسبق جهود العلاج. والاحتياطات الأساسية مثل إجراء اختبارات الكشف عن فيروس نقص المناعة، واستخدام الواقيات الذكري والأنثوية، واستخدام الحقن المُعَقَّمة لحقن العقاقير، لا تزال بعيدة  عن متناول الغالبية الساحقة من أولئك الذين يحتاجون إليها.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

إن هذا الموقف المفجع يتطلب تحركا فعالاً وليس المزيد من الضحايا وكباش الفداء.

إن المناقشات الصريحة المبنية على الاطلاع بشأن وباء فيروس نقص المناعة، والدراية بطرق الوقاية من الفيروس، وتوزيع العوازل الطبية، وغير ذلك من الاستراتيجيات، هي السبيل الوحيد المعلوم للوقاية من حالات العدوى الجديدة. لابد أيضاً من الاهتمام بتعرض النساء للإصابة بفيروس نقص المناعة، عن طريق حماية حقوقهن المتساوية في الأملاك الزوجية، ودعم القوانين المناهضة للعنف المعتمد على النوع، بما في ذلك الاغتصاب في إطار الزوجية، وتمكينهن من مناقشة مسألة الجنس الآمن مع الرجال.