Spice Girls Dave Benett/Getty Images

كيف فقدت بريطانيا أناقتها

برلين - كان الاجتماع الأخير بين المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي في تالين عاصمة اٍستونيا متناقضا للغاية. وسعت ميركل وراء الانفتاح والعولمة، كما أنها تقود بلدا بقاعدة صناعية ناجحة وعلاقات تجارية قوية. بينما تحدثت ماي عن الماضي أكثر من المستقبل، مستهينة ب "مواطني العالم" في حين تدعي الدفاع عن الهوية الوطنية المختلة ببلادها.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

ومن بين أمور أخرى، تُظهر دينامية ميركل وماي كيف يعيد التاريخ نفسه.قبل عشرين عاما، كانت ألمانيا بمثابة "الرجل المريض في أوروبا"، الذي يكافح من أجل تبديد شياطينه حتى يتمكن من النظر إلى المستقبل. وقد أصبحت المملكة المتحدة، من ناحية أخرى، "بريطانيا الممتازة". وفي عام 1997، كانت الكثير من البلدان متأثرة بفن البوب البريطاني؛ وكان كبار الفنانين البريطانيين ومصممي الأزياء، والمهندسين المعماريين أهم الأسماء في ميادينهم. حتى الطباخون البريطانيون كانوا بمثابة حكام الذوق العالميين، أمام ضيق نظرائهم الفرنسيين.

ولقد كان لي دور صغير في تلك اللحظة من الانتعاش الوطني البريطاني. وفي تقرير "بريطانيا: من أجل تجديد هويتنا"، اقترحت إستراتيجية لإعادة النظر في صورة بريطانيا التي تم تتبعها من قبل حكومة حزب العمال الجديدة بقيادة رئيس الوزراء توني بلير. كانت الفكرة هي إعادة التفكير في صورة البريطانيين، ثم إعادة إدماج بريطانيا إلى العالم.

ومن الواضح أن إعادة تصور بريطانيا مسألة ضرورية. ومع حلول منتصف تسعينيات القرن الماضي، عانت السياسة البريطانية من ضيق شديد. وفقد رئيس الوزراء جون ميجور السيطرة على حزب المحافظين، وأدى تراجع ثقة الجمهور في المؤسسات البريطانية إلى إثارة القلق بين الناخبين. وأصبحت بريطانيا، التي كانت تعرف باسم "ورشة العالم"، اقتصاد الخدمات. وقررت سلسلة التجزئة البريطانية ديكسونز تسمية واحدة من العلامات التجارية الاستهلاكية والالكترونيات "ماتسوي"، لكي تبدو يابانية. وقد حولت المسلسلات التي تدور حول قصر باكنغهام  حب العائلة الملكية إلى نوع من استراق النظر. ووفقا لاستطلاعات الرأي، كان حوالي نصف سكان البلاد يرغبون في الهجرة، ولم تعد نسبة مماثلة (لاسيما الاسكتلنديين والويلز والأقليات العرقية وسكان لندن، والشباب) تشعر أنها بريطانية.

وبدلا من الحزن على الهوية الإنجليزية العرقية الإقصائية والتي كانت رئيسة الوزراء السابقة مارغريت تاتشر قد فعلت الكثير لتعزيزها في الثمانينيات، أعتقد بأنه على البريطانيين تبني هوية مدنية جديدة تستند إلى قصص أعمق عن بلادهم. بريطانيا، بعد كل شيء، كانت مركزا عالميا، ولكن هي أيضا جزيرة لها تاريخ طويل من الإبداع، والأصالة، والابتكار. لقد كانت دولة هجينة شامخة بتنوعها. وقادت التغيير الاجتماعي والتكنولوجي ليس عن طريق الحروب الثورية، لكن من خلال الحكم السليم. وقد كانت بلدا يقدر "اللعب النزيه"، وهو قيمة متجسدة في قطاع الصحة الوطنية.

وبطبيعة الحال، لا ينبغي أن أبالغ في تأثير مؤلفي. كان كتابي حول تجديد هوية بريطانيا مجرد جزء واحد من ظاهرة كبرى. وكانت القصة الوطنية البريطانية تتحرك نحو الانفتاح، و كان لهذا التغيير تأثير عميق على كل من حزب العمال وحزب المحافظين الذي كان يحتاج إلى إزالة السموم من علامته التجارية. وقد جاء قادة المحافظين مثل رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون وحتى بوريس جونسون، عندما كان عمدة لندن، لتمثيل بريطانيا الحديثة والمتعددة الأعراق. هذه هي بريطانيا التي وصفها المخرج داني بويل في حفل افتتاح دورة الألعاب الأوليمبية لعام 2012 في لندن.

كيف، إذن،  انتقلت البلاد من الكونية إلى القومية والوطنية؟ الجواب القصير هو أنه بإعادة تصورها أصبحت بريطانيا ضحية لنجاحها. من خلال استيعاب المواطنين المستبعدين سابقا، جعلت القصة الوطنية الجديدة العديد  في الطبقة الوسطى والمُسنين يشعرون بالضيق وكأنهم أقلية مهددة. وعندما أتى استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، قاوموا.

 الهدف الرئيس لرئيسة الوزراء ماي منذ خلافتها لكاميرون هو جذب المشاعر القبائلية القديمة تمشيا مع  نسخة أو فكرة تاتشر حول الهوية البريطانية – ومع كل الذين شعروا بالحرمان في  بريطانيا الممتازة. ومع ذلك، تُملي الديموغرافيا أن بريطانيا الجديدة المنفتحة ستحل حتما محل بريطانيا القديمة. وتُظهر معظم استطلاعات الرأي أن البلاد أصبحت أكثر ليبرالية وتسامحا مع مرور الأعوام. ولكن أحد الدروس المستفادة من التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو أن سياسات الهوية - التي تتجلى في مخاوف الناخبين الأكبر سنا والبيض والأقل تعليما - يمكن أن تعيث فسادا في الفترة الفاصلة.

وما تبقى أن نراه هو إلى أي مدى سيتحول التيار القومي، وما إذا كان زعماؤه سيتواصلون. هل ستتراجع الموجة الشعوبية بعد أن تبدأ الكتلة الحرجة من الناخبين في الشعور بالآثار الاقتصادية السيئة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على الاقتصاد البريطاني؟ وهل كان من الممكن تفاديه بتغيير أبطأ وأكثر تدرجا في القصة الوطنية؟

من المؤكد أن أسئلة مماثلة كانت تراود ميركل منذ الانتخابات الفدرالية الألمانية في الشهر الماضي. وجاء حصول البديل اليميني المتطرف لألمانيا على مكاسب لم يسبق لها مثيل في حين فقد حزب ميركل  الدعم كعقاب لسياسة الباب المفتوح الجريئة أثناء أزمة اللاجئين. وقد تتساءل ميركل الآن عما إذا كانت ويلكومنسكولتر (الثقافة الترحيبية) التي تروج لها سوف سيكون لها نفس مصير سياسة "بريطانيا الممتازة" لتوني بلير.

التحدي الكبير الذي تواجهه ميركل في ولايتها الرابعة هو أن تعمل ما في جهدها لإنجاح سياستها الترحيبية. لسوء الحظ، ماي، بعد أن ركبت موجة  النزعة الوطنية، بدلا من محاولة إعادة توجيهها، سوف لن يكون لديها ما تُعلمه لنظيرتها الألمانية.

على كل، يمكن أن تقع ماي ضحية لانتهازيتها. إذا كان التاريخ يتحرك بالفعل في حلقات، فمن المنطقي أن بريطانيا سوف تعود إلى الانفتاح عاجلا أو آجلا. وحين يحدث ذلك، فإن سياسة ماي الرجعية والمتخلفة، مثل سياسة تاتشر، سوف تُنحى جانبا.

http://prosyn.org/JBs79Cs/ar;

Handpicked to read next

  1. Chris J Ratcliffe/Getty Images

    The Brexit Surrender

    European Union leaders meeting in Brussels have given the go-ahead to talks with Britain on post-Brexit trade relations. But, as European Council President Donald Tusk has said, the most difficult challenge – forging a workable deal that secures broad political support on both sides – still lies ahead.

  2. The Great US Tax Debate

    ROBERT J. BARRO vs. JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS on the impact of the GOP tax  overhaul.


    • Congressional Republicans are finalizing a tax-reform package that will reshape the business environment by lowering the corporate-tax rate and overhauling deductions. 

    • But will the plan's far-reaching changes provide the boost to investment and growth that its backers promise?


    ROBERT J. BARRO | How US Corporate Tax Reform Will Boost Growth

    JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS | Robert Barro's Tax Reform Advocacy: A Response

  3. Murdoch's Last Stand?

    Rupert Murdoch’s sale of 21st Century Fox’s entertainment assets to Disney for $66 billion may mark the end of the media mogul’s career, which will long be remembered for its corrosive effect on democratic discourse on both sides of the Atlantic. 

    From enabling the rise of Donald Trump to hacking the telephone of a murdered British schoolgirl, Murdoch’s media empire has staked its success on stoking populist rage.

  4. Bank of England Leon Neal/Getty Images

    The Dangerous Delusion of Price Stability

    Since the hyperinflation of the 1970s, which central banks were right to combat by whatever means necessary, maintaining positive but low inflation has become a monetary-policy obsession. But, because the world economy has changed dramatically since then, central bankers have started to miss the monetary-policy forest for the trees.

  5. Harvard’s Jeffrey Frankel Measures the GOP’s Tax Plan

    Jeffrey Frankel, a professor at Harvard University’s Kennedy School of Government and a former member of President Bill Clinton’s Council of Economic Advisers, outlines the five criteria he uses to judge the efficacy of tax reform efforts. And in his view, the US Republicans’ most recent offering fails miserably.

  6. A box containing viles of human embryonic Stem Cell cultures Sandy Huffaker/Getty Images

    The Holy Grail of Genetic Engineering

    CRISPR-Cas – a gene-editing technique that is far more precise and efficient than any that has come before it – is poised to change the world. But ensuring that those changes are positive – helping to fight tumors and mosquito-borne illnesses, for example – will require scientists to apply the utmost caution.

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now