8

الاحتواء يبدأ من الداخل

نيويورك ــ في وقت سابق من هذا الشهر، قام محمد يوسف عبد العزيز، وهو مواطن أميركي من أصول شرق أوسطية في الرابعة والعشرين من العمر، بإطلاق النار باتجاه موقعين عسكريين في تشاتانوجا بولاية تينيسي؛ فقتل خمسة أشخاص. وكان هذا الحدث من الرعب المحلي على قدر كبير من الأهمية على المستوى الوطني أيضا، لأنه يبرر تحذير الدبلوماسي والخبير الاستراتيجي الأميركي الراحل جورج كينان، والذي يؤكد فيه أن صناع السياسة الخارجية الأميركية ينبغي لهم أن يكبحوا جِماح رغبتهم الملحة في التدخل، وخاصة عسكريا. فلا أحد يدري متى قد تأتي ردة الفعل الانتقامية، ولكنها آتية لا محالة، كما حذر كينان.

الواقع أن العواقب التي لا يمكن التنبؤ بها كانت على وجه التحديد ما شغل ذهن كينان عندما هاجمت الولايات المتحدة أفغانستان في عام 2001 ثم العراق بعد عامين. فلم يكن من قبيل المصادفة أن يرتبط العديد من أولئك الذين كانت تقاتلهم الولايات المتحدة في أفغانستان، بما في ذلك أسامة بن لادن ذاته، بالمجاهدين، الذين كانوا ينتمون إلى وحدات من المحاربين المسلمين اتخذت هيئة عصابات مسلحة وتولت قوات أميركية تدريبهم كمتمردين خلال الاحتلال السوفييتي لأفغانستان في الفترة 1979-1989. وعلى نحو مماثل، سلحت الولايات المتحدة العراق في عهد صدّام حسين لكي تخوض حرباً ضد إيران في ثمانينيات القرن العشرين.

وبعد الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر 2001، سأل الأميركيون أنفسهم "لماذا يكرهوننا؟" ولكن برغم أن الولايات المتحدة لم تشهد أي هجوم على أراضيها منذ ذلك الحين، فقد واصلت إدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، بلا ضابط أو رابط، تدمير بلدين مسلمين ــ واستمر الدمار إلى ما بعد فترة ولاية بوش في ظل حملة متزايدة الشراسة من الغارات الجوية بطائرات بدون طيار.

وقد ساعدت هذه السياسات في دفع أفغانستان إلى هاوية فشل الدولة، في حين فتحت الطريق أمام تنظيم الدولة الإسلامية للاستيلاء على أكثر من ثلث الأراضي العراقية. وأصبحت مشاعر الاستياء والسخط الناجمة عن ذلك في هذين البلدين ومختلف أنحاء العالم الإسلامي محسوسة على نحو متزايد في أوروبا ــ والآن بدأت تظهر في الولايات المتحدة أيضا.