0

أنصار الدمج في مواجهة أنصار التحفيز

لندن ـ تعتمد كل الأنظمة الفكرية على افتراضات لا تحتاج إلى توضيح تفصيلي، وذلك لأن كافة أفراد أي مجتمع فكري بعينه يقبلون هذه الافتراضات. وهذه البديهيات "العميقة" متضمنة في الاقتصاد أيضاً، ولكن إذا لم يتم إخضاعها للفحص الدقيق فقد تقود صناع القرار السياسي إلى طريق مسدود. وهذا هو ما يحدث على وجه التحديد فيما يتصل بالجهود المبذولة اليوم، في بلد تلو الآخر، في محاولة لخفض الإنفاق وتقليص العجز في الموازنات.

كانت المهمة الرئيسية التي كرس لها جون ماينارد كينز كتابه "النظرية العامة في تشغيل العمالة، والفائدة، والنقود" تتلخص في الكشف عن البديهيات العميقة المؤسسة للعقيدة الاقتصادية في عصره، والتي استبعدت احتمال البطالة الجماعية المستديمة. وكان السؤال الذي وجهه إلى معارضيه هو: "ما هي المعتقدات التي استندتم إليها حين زعمتم أن البطالة الجماعية المستديمة أمر مستحيل، واستنتجتم من ذلك أن الحوافز التي تقدمها الحكومة لرفع مستوى تشغيل العمالة غير مجدية؟". وفي إجابته على هذا السؤال ذهب كينز إلى إعادة بناء النظرية التقليدية ـ ثم شرع في هدمها.

واليوم، وعلى الرغم من الثورة الكينزية، فإن ذات السؤال ما زال في احتياج إلى إجابة. ما هي المعتقدات الاقتصادية التي يتعين على أولئك الذين يطالبون بالدمج المالي السريع في ظل البطالة الشديدة أن يؤمنوا بها حتى تصبح سياساتهم متماسكة؟

إنه ليس بالسؤال البسيط، وذلك لأن قميص التعذيب المالي أصبح البند المفضل بين الأردية السياسية لدى هؤلاء الذين يتولون الآن إملاء الشئون الاقتصادية. والواقع أن بعض الهيئات المرموقة مثل مجموعة العشرين، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تنضم إلى "الأسواق" وكتاب الأعمدة الاقتصادية في مطالبة الحكومات بتسييل عجزها. وتزعم هذه الهيئات أن أي مسار آخر ينذر بالكارثة؛ وأن ضبط الموازنات في أقرب وقت ممكن هو السبيل الوحيدة للعودة إلى الازدهار.