1

طريق كولومبيا الطويل إلى السلام

نيويورك – تم التوصل خلال هذا الشهر إلى اتفاق سلام بين القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك) والحكومة ، و خلف ذلك ردودا إيجابية جدا. إنه إنجاز تاريخي فعلا، يَعد بإنهاء صراع دام أكثر من نصف قرن تميز بالخطف والتهجير القسري والهجمات العشوائية على القرى، وأعمال العنف التي أسفرت عن عشرات الآلاف من القتلى.

و تُعد كولومبيا من البلدان التي تستطيع وضع حد للمواجهات العنيفة. بعد صراع في منتصف القرن العشرين استمر عشر سنوات بين الأحزاب السياسية الرئيسية في البلاد - المعروفة اختصارا باسم "لافيولانسيا" أي العنف - تم ضع حدا للنزاع بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، على خلفية استفتاء عام 1957.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

في عام 1990، توصلت الحكومة الكولومبية إلى تسويات سياسية مع عدة جماعات متمردة. على سبيل المثال، أصبحت "م-19" قوة رئيسية في الجمعية الدستورية عام 1991، وأصبح بعض قادتها شركاء فاعلين في الحياة السياسية الديمقراطية.

لكن باتت المفاوضات مع بعض منظمات حرب العصابات  صعبة جدا- بما في ذلك أكبر المنظمات أي القوات المسلحة الثورية الكولومبية، وأقل من ذلك بكثير جيش التحرير الوطني التابع للجيش - وما زالت المفاوضات مع جيش التحرير الوطني جارية، ولكن لا يبدو أنها واعدة. وفشلت المفاوضات مع القوات المسلحة الثورية الكولومبية ثلاث مرات - في  الثمانينيات، و في بداية التسعينيات، وفي مطلع هذا القرن.

ويبدو السلام مع فارك محتملا هذه المرة. ومع ذلك، يجب أن تتم الموافقة على الاتفاق الأخير في استفتاء يوم 2 أكتوبر، وليس كل الناس في كولومبيا على استعداد لقبول ذلك. على وجه الخصوص، الرئيس السابق ألفارو أوريبي، الذي حاول هزم القوات المسلحة الثورية الكولومبية بالقوة، وهو الآن يقود حملة لرفض هذه الصفقة.

وفقا لاوريبي وللحزب الديمقراطي ، سَيسَلم الاتفاق المتفاوض عليه من قبل الرئيس خوان مانويل سانتوس كولومبيا إلى المتمردين. ويريد معارضو الاتفاق إجبار القوات المسلحة الثورية الكولومبية على التنحي تماما – وهذا أمر مستحيل دون هزيمتها عسكريا. والخبر السار هو أن معظم الاستطلاعات تشير إلى أن الغالبية العظمى من الكولومبيين سيصوتون لصالح الاتفاق.

وعلى افتراض أن الصفقة ستتم الموافقة عليها، فإن حكومة سانتوس ستواجه عددا كبيرا من التحديات،  بدءا بتنفيذ أحكام الصفقة السياسية. وتشمل هذه الاتفاقية  تسريح القوات المسلحة الثورية الكولومبية تحت إشراف الأمم المتحدة، وخلق فرص للمشاركة السياسية لأعضائها السابقين.

كما سيتعين على حكومة سانتوس وضع نظام متفق عليه للعدالة الانتقالية  قصد التحقيق، ومحاكمة، وإدانة مرتكبي الجرائم خلال النزاع، وفقا لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والتي وقعت عليها كولومبيا. وحسب النظام الأساسي، ستتم معاقبة الجرائم ضد الإنسانية المرتكبة من قبل أفراد القوات المسلحة الثورية وغيرهم ، استنادا إلى مبادئ الحق والتعويض والردع.

وإذا نفذت هذه الأحكام السياسية بشكل صحيح، فإنها ستساعد على تعزيز المصالحة الوطنية. لكن على الأقل ينبغي معالجة الانقسامات الاجتماعية على المستوى المحلي التي ظهرت نتيجة للصراع، ولاسيما في بُؤر العنف. كما ينبغي لمنظمات المجتمع المدني المحلية والدولية، والحكومات الإقليمية والبلدية، أن تضطلع بدور هام، ولعل تجربة كولومبيا الماضية في التغلب على تحديات مماثلة ستكون مفيدة في هذا الباب.

ويجب دعم مثل هذه الجهود بإحراز التقدم المنشود في مجال آخر: التنمية الريفية، التي هي القضية الاقتصادية الوحيدة التي تناولها اتفاق السلام. وهذا ليس من المستغرب: لقد أدى تهميش المناطق الريفية إلى خلق القوات المسلحة الثورية في المقام الأول (فارك)، وتمركز الصراع في هذه البؤر. (يمكن اعتبار تفكيك أنشطة الاتجار في المخدرات الذي شاركت فيه القوات المسلحة الثورية الكولومبية قضية اقتصادية أيضا ، نظرا للحاجة إلى توفير فرص بديلة في المناطق الريفية؛ وهي مسألة أمنية قبل كل شيء).

وتضع الحكومة الكولومبية الآن اللبنة الأولى  للتنمية الريفية الناجحة. في عام 2014، شُكلت لجنة خاصة بتنمية المناطق الريفية التي كان لي الشرف ترأسها. وفي العام الماضي، قدمنا ​​خطة للعمل.

وتشمل التوصيات اتخاذ تدابير لسد الفجوات بين البوادي والمدن فيما يخص الحصول على الخدمات الاجتماعية الأساسية في غضون ال15 عاما المقبلة. كما تؤكد التوصيات على بذل جهود أكثر لتعزيز الزراعة الأسرية، التي تمثل تسعة أعشار قوة العمل الريفية؛ وتحسين فرص الحصول على الأراضي من قبل المنتجين. وتنفيذ برامج التنمية الريفية المتكاملة على المستوى المحلي؛ وتطبيق الإصلاحات المؤسسية التي تهدف إلى رفع مستوى الوكالات الحكومية المسؤولة عن التنمية الريفية. إن تحقيق هذه الاستراتيجية سيكلف 1.2٪ من الناتج القومي الإجمالي لكولومبيا  (GNP)، ويمكن تمويلها جزئيا بإعادة توجيه النفقات الحالية.

كما سيكون لاتفاق السلام مع فارك تكاليف أخرى: تعويضات الضحايا، وتسريح ودمج المقاتلين في الحياة المدنية، إنشاء مؤسسات مؤقتة لتنفيذ الاتفاق. وتشير تقديرات موثوقة أن التكاليف الإجمالية، بما في ذلك التنمية الريفية، ستبلغ حوالي 2٪ من الناتج القومي الإجمالي.

ونظرا للفوائد الاقتصادية وخاصة الاجتماعية والسياسية المحتملة للاتفاق، فإن التكاليف المتوقعة متواضعة. على الرغم من ذلك، فإن تغطيتها لن تكون سهلة. ولاسيما أن كولومبيا تعاني حاليا من تباطؤ اقتصادي كبير وفقدان إيرادات الحكومة، بسبب انخفاض أسعار النفط.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

هذا هو السبب في عزم الحكومة اقتراح إصلاح ضريبي هيكلي بعد الاستفتاء. إصلاح يهدف في المقام الأول إلى توفير الأموال اللازمة لتمويل عملية السلام، وينبغي أيضا مواجهة تحد اقتصادي رئيسي آخر: الدخل الإجمالي والتفاوت في الثروة، وتُشكل الفوارق بين المناطق الريفية والمدن فقط جزءا واحدا منها.

ويؤدي عدم المساواة الاقتصادية إلى عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي، كما أظهرت تجربة كولومبيا (وتجربة كثير من البلدان الأخرى). ويجب على كولومبيا التصدي بشكل فعال لهذا الإشكال ومضاعفة الجهود لتحقيق سلام دائم.