13

روسيا وعادة الحرب الباردة

موسكو-قبل بضعة إسابيع ذكر ميخائيل جورباتشوف- آخر زعيم للإتحاد السوفياتي والرجل الذي عمل أكثر من غيره من أجل إنهاء الحرب الباردة –للصحيفة الألمانية بيلد أن من الممكن "التعرف على جميع خصائص الحرب الباردة الجديدة في عالم اليوم "و أضاف جورباتشوف بإن الولايات المتحدة " قد تمكنت بالفعل من جر روسيا لتلك الحرب وذلك من أجل تحقيق فكرها العام المتعلق بالإنتصار ".

لكن هل العداوة الحالية بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا جديدة بالفعل ؟ وهل من المصداقية في شيء إلقاء معظم اللوم على الولايات المتحدة الأمريكية كما يفعل جورباتشوف والكرملين ؟ من أجل الإجابة على تلك الإسئلة ،يتوجب علينا النظر للتاريخ والذي يرجع لما قبل خطاب وينستون تشرشل "خطاب الستار الحديدي" سنة 1946 بزمن طويل .

في واقع الأمر فإن العلاقة العدائية بين روسيا والغرب بدأت قبل أكثر من قرن من بداية الحرب الباردة فخلال العقد الثالث من القرن التاسع عشر برزت روسيا ليس فقط كمنتصر رئيسي في الحروب النابليونية ولكن أيضا كأكثر القوى محافظة أو بالإحرى رجعية في أوروبا وتحت حكم القياصرة الكسندر الأول ونيكولاس الأول كانت روسيا جاهزة لمواجهة أي إشارة على تجدد " الطاعون الثوري" الذي أصاب الدول الملكية في القارة .

بحلول سنة 1830 تعمقت الخلافات بين دول "التحالف المقدس " (روسيا وبروسيا والنمسا) وبقية أوروبا وعندما قامت روسيا بقمع ثورتين "ملونتين "-الثورة البولندية لسنة 1830-1831 والثورة الهنغارية لسنة 1848-1849 زادت حدة تلك الخلافات ولقد أدى هذان التدخلان إلى زيادة كبيرة جدا في المشاعر المعادية للروسية في طول القارة وعرضها.   

وحتى يقوي نيكولاس الأول من موقف روسيا تطلع  مع وزير البحرية الكسندر ينشيكوف إلى الشعوب الأرثوذوكسية في البلقان والأمبراطورية العثمانية مطالبا سنة 1853 بتسمية روسيا كحامي رسمي لإثني عشر مليون مواطن أرثوذكسي في الإمبراطورية العثمانية وعندما تم رفض الطلب ، قامت القوات الروسية بإحتلال مولدوفا والاشيا الواقعة تحت السيطرة العثمانية وهو تحرك أدى في نهاية المطاف إلى إندلاع حرب القرم والتي خسرتها روسيا بشكل مذهل سنة 1856 ومن وجهة نظري فإن تلك الخسارة مثلت نهاية أول حرب باردة بين روسيا وأوروبا إستغرقت حوالي 30 سنة.

إن معظم الناس يعتقدون أن الحرب الباردة هي تلك التي بدأت بعد قرن من ذلك تقريبا أي بعد الحرب العالمية الثانية وذلك عندما قام الإتحاد السوفياتي في سعيه لتوسيع نطاق نفوذه بفرض حكومات شيوعية من بولندا وصولا إلى بلغاريا وفي سنة 1946 بدأت روسيا بزعزعة الإستقرار في اليونان وفي مجلس وزارء الخارجية الذي تم تأسيسه بموجب إتفاقية بوستدام لسنة 1945 طالب الكرملين بالسيادة على تريبوليتانيا في شمال أفريقيا وهو طلب رفضه القادة الغربيون وفي السنة التي تليها منع الإتحاد السوفياتي الدول الواقعة تحت نفوذه من المشاركة في خطة مارشال والتي كانت تهدف لإحياء الإقتصاد الأوروبي بعد الحرب كما قام جوزيف ستالين لاحقا لذلك بفرض حصار على برلين الغربية في محاولة فاشلة من أجل فرض التقيد بذلك القرار .

لقد أوصلت الحرب الباردة الإتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية إلى شفا الحرب بسبب كوريا في الخمسينات وكوبا سنة 1962 ولكن كما كان عليه الحال في القرن التاسع عشر كانت المواجهة في الغالب تتعلق بالسيطرة على أوروبا كما رأينا في التدخلات السوفياتية في هنغاريا سنة 1956 وتشيكوسلوفاكيا سنة 1968 .

لقد وصلت الحرب الباردة للنهاية في أواخر الثمانينات بعد أن خسر الإتحاد السوفياتي حربا خارجية محدودة تشبه حرب القرم في منتصف القرن التاسع عشر . لقد أدت الحرب في افغانستان في الثمانينات في نهاية المطاف إلى إستنفاذ الإتحاد السوفياتي عسكريا وإقتصاديا مما دفعه إلى التخلي عن الدول الواقعة تحت نفوذه في أوروبا واخيرا إلى الإنهيار.

إن الحرب الباردة اليوم تشبه إلى حد كبير المواجهتين السابقتين فكما كان عليه الحال في العقد الثالث من القرن التاسع عشر وفي أواخر أربعينيات القرن العشرين فإن روسيا ترفض بشكل عدائي القيم الغربية وتعارض الولايات المتحدة الأمريكية وعلى الرغم أنه لا يوجد أحد يهدد روسيا فإنه يتم إستخدام الهستيريا المعادية الغرب مرة أخرى من إجل صرف الإنتباه عن التحديات الإقتصادية المحلية وتعزيز الدعم لقائد البلاد.

وهكذا فإن روسيا فلاديمير بوتين مثل روسيا نيكولاس الأول تعلن نفسها كحامي للعقيدة الأرثوذكسية والعالم الروسي ( مثل العالم السلافي في القرن التاسع عشر). إن هذا الإدعاء أعطى الكرملين تبريرا جاهزا من أجل زعزعة الإستقرار في الدول المجاورة مثل أوكرانيا ودعم الحركات الإنفصالية من مولودوفا وحتى جورجيا مع الدعوة علنيا لقمع "الثورات الملونة" في جمهوريات الإتحاد السوفياتي السابقة .

إن هذا يشير لملاحظة حيوية عن الحرب الباردة الحالية : إن الغرب لا يجر أي أحد إليها ففي واقع الأمر أنه في الثلاث مواجهات منذ القرن التاسع عشر كانت الأفعال الروسية التي تحركها المخاوف المحلية هي التي عملت على تحفيز الجهود الأوروبية أو الغربية على المستوى الإستراتيجي واليوم يرد الغرب على ضم روسيا لشبه جزيرة القرم وإحتلال منطقة دونباس في شرق أوكرانيا كما رد على ضم والاشيا في سنة 1853 وحصار برلين الغربية سنة 1948.

بالإضافة إلى ذلك فإنه في جميع المواجهات الثلاث كان الغرب يتألف من عدة "حلفاء طبيعيين" بينما كانت روسيا تتصرف لوحدها أو مع دول صغيرة واقعة تحت نفوذها وفي المرات الثلاث أظهر قادة البلاد رغبة في إلقاء اللوم على الآخرين على حماقاتهم الداخلية وجعل أي حلفاء أو متعاطفين محتملين ينفرون منهم بالإضافة إلى إهدار الموارد البشرية والإقتصادية للبلاد. يبدو على أساس هذا التاريخ أن من المرجح أن الجهود الروسية لإحتواء الأطراف التي ينظر إليها على إنها عدوة سوف تؤدي فقط إلى الإنهيار الإقتصادي والفوضى السياسية مما سيجبر النخب في البلاد على الإبتعاد عن طموحاتهم الجيوسياسية والتركيز على القضايا المحلية الملحة .

بهذا المعنى فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يمكن أن يكون محقا إلى حد ما عندما قال " عندما يحين الوقت المناسب فإن الجميع سوف يعودون لرشدهم " ولكن الجزء الثاني من إدعاءه بإنه "سيكون هناك سلام دائم " يتجاهل كامل تاريخ العلاقة بين روسيا والغرب وعاجلا أم آجلا ستبدأ الدورة مرة أخرى.