0

الحوار المتحضر

باريس ـ ماذا يعني تعبير "التحضر"؟ لا شك أن التعليم البسيط، وارتداء ربطة العنق، وتناول الطعام بالشوكة والسكين، وقص الأظافر أسبوعياً لا يكفي لاستحقاق وصف "التحضر". وجميعنا ندرك تمام الإدراك أن "التحضر" في هيئته الشكلية هذه لا يمنع الناس من التصرف كالهمج. إن "التحضر"، في كل مكان وفي كل الأزمان، يعني القدرة على إدراك وقبول إنسانية الآخرين، على الرغم من أساليبهم وأوضاعهم الحياتية المختلفة.

قد يبدو لنا ذلك التفسير الأخير وكأنه لا يحتاج إلى توضيح أو نِقاش، إلا أنه ليس مقبولاً في جميع الأحوال. على سبيل المثال، تحظى فكرة الحوار بين الحضارات عادة بقدر من التحليل الصحافي المحترم، إلا أنها في كثير من الأحوال أيضاً تقابل بقدرٍ من السخرية. كانت الفقرة الختامية من مقالة "ديانات قاتلة"، التي نُشِرَت مؤخراً للكاتب إيلاي بارنافي ، تحمل عنوان "ضد الحوار بين الحضارات". والحقيقة أن حجته تتسم بقدر عظيم من الحقد والقسوة، إذ يقول: "هناك حضارة من جانب وهمجية على الجانب الآخر. وليس من الممكن أن ينشأ أي حوار بين الجانبين".

ولكن إذا نظرنا إلى حجة بارنافي عن كثب، فلسوف يتضح لنا الخلل الذي يعيبها على الفور. إذ أن معنى كل من تعبيري "الحضارة" و"الثقافة" في صيغتهما المفردة يختلف تماماً عن معناهما حين يستخدمان في صيغة الجمع. فالثقافات (بصيغة الجمع) تعبر عن أساليب الحياة التي تتبناها مجموعات متنوعة من البشر، وتشتمل على كل ما يشترك فيه أفراد المجموعة الواحدة: مثل اللغة، والديانة، وبنية الأسرة، ونوعية الطعام والملبس، وما إلى ذلك. وبهذا المعنى فإن كلمة "ثقافة" تهتم بالوصف بدون أي حكم على القيمة.

أما كلمة "حضارة" (في صيغتها المفردة) فإنها على العكس من ذلك، تندرج تحت فئة تقييمية أخلاقية: فهي عكس الهمجية. وعلى هذا فإن الحوار بين الثقافات ليس مفيداً فحسب، بل إنه أساسي بالنسبة للحضارة، ولا يمكن للحضارة أن تقوم في غيابه.