1

التصدي للأمراض المزمنة

مونتريال ــ كثيرون منا يصيبهم الرعب إزاء احتمال الإصابة بسكتة دماغية موهِنة أو نوبة قلبية قاتلة. ولكن قليلين منا يستجيبون على نفس النحو العاطفي للتهديد المتمثل في الأمراض المزمنة، وهو المصطلح الغامض المرن الذي قد يكون مفيداً في الأساس لتنظيم الخدمات الصحية. ورغم هذا فإن المرض المزمن تحول إلى مشكلة اجتماعية كبرى تتطلب استجابة جماعية.

تاريخيا، كان مصطلح المرض المزمن يشير إلى حالات تدوم لفترة طويلة. ولكن مع التنظيم المتزايد للطب حول أمراض معينة، أصبح المصطلح يشير إلى مجموعة مفتوحة من الحالات التي تتضمن أمراض القلب والأوعية الدموية، والسرطان، والسكري، ولكن ليس الأمراض المعدية، مثل السُل والملاريا، أو المرض العقلي.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

في القرن التاسع عشر كانت الأمراض المزمنة تمثل مشكلة كبيرة لأن من يعانون منها كانوا يشغلون الأسِرة النادرة في المستشفيات التي كانت تركز بشكل متزايد على علاج الأمراض الحادة القابلة للعلاج. ولكن الأمراض المزمنة سرعان ما تحولت إلى قضية أكثر اتساعاً في مجال الصحة العامة مع تزايد الوفيات بسبب السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية والسكري. والواقع أن الزيادة الأولية في أعداد الوفيات المسجلة نتيجة لهذه الأمراض كانت تعكس في الأرجح تحسن أدوات التعرف والتشخيص. إن تعبئة شهادات الوفاة ليست علماً دقيقا، ويركز الأطباء على الأسباب التي تعودوا عليها.

ولكن بمرور الوقت، يكاد يكون من المؤكد أن معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة ارتفعت في البلدان المتقدمة، ومع إخضاع الأمراض المعدية للسيطرة بشكل متزايد، ازدادت أعداد الناس الذي يعيشون إلى سِن متقدمة حتى وإن أصبحوا عُرضة للأمراض الطويلة الأمد. ونتيجة لهذا فإن الأمراض المزمنة الآن تشمل نسبة كبيرة من إجمالي الحالات التي تعالجها أنظمة الرعاية الصحية.

إن مصلحتنا المشتركة في التصدي لمشكلة الأمراض المزمنة لا تستند إلى إحصاءات وبائية فحسب، بل إنها تعكس أيضاً مخاوف عميقة قديمة بشأن التأثيرات المترتبة على الحضارة: اكتظاظ المناطق الحضرية بالسكان، وأنماط الحياة التي تتطلب الجلوس لفترات طويلة، والعادات غير الصحية مثل استهلاك التبغ والكحول، والإفراط في تناول الطعام، والإجهاد. وقد أصبحنا فضلاً عن ذلك مقتنعين بأن أغلب الأمراض، بما في ذلك الحالات الميؤوس منها سابقا، من الممكن الوقاية منها، أو علاجها، أو تخفيف وطأتها، أو السيطرة عليها بالطب العلمي، وأن حتى المرضى الذين من غير المرجح أن يستفيدوا منها يتمتعون بالحق في الرعاية الطبية.

ومع تحول الأمراض المزمنة إلى مشكلة اجتماعية متزايد الانتشار، كان التعامل معها بطريقتين. والاستجابة الأكثر شيوعاً تتعامل مع كل مرض على حِدة. ومن بين الأمثلة البارزة جمعية السرطان الأميركية، وجمعية القلب الأميركية، فضلاً عن المعاهد البحثية المتخصصة التابعة للمعاهد الصحية الوطنية.

ويتخلص نهج بديل في التعامل مع هذه الأمراض باعتبارها مشكلة شاملة واحدة. ومن بين الأمثلة الأولى في الولايات المتحدة، حيث كان التركيز على تدابير الرفاهة الاجتماعية والتأمين الصحي للسكان المعرضين للخطر ــ كبار السن والمعوقين وأفقر الفقراء ــ سبب��ً في إعطاء دفعة قوية لجهود مكافحة انتشار الأمراض المزمنة بينهم على نطاق واسع. أما الدول الأوروبية، المشغولة بأنظمة الرعاية الصحية الوطنية التي تعالج احتياجات السكان بالكامل، فقد استغرقت وقتاً أطول للتحرك نحو استراتيجيات شاملة.

وكان كل من النهجين سبباً في ظهور أشكال جديدة من المراقبة الوبائية. فمنذ خمسينيات القرن العشرين، على سبيل المثال، كان في الميدان متسع لعوامل الخطر، وهو المفهوم الذي انبثق من المناقشات حول التأثيرات الصحية المترتبة على استهلاك التبغ ودراسات أمراض القلب والأوعية الدموية التي قد ترجع إلى أسباب محتملة متعددة. بل إن بعض عوامل الخطر ــ ارتفاع ضغط الدم المعتدل والكولسترول على سبيل المثال ــ تحولت هي ذاتها إلى أمراض مزمنة تتطلب العلاج الطبي (والجراحي أحيانا) والمساهمة بشكل أكبر في ارتفاع معدلات المرض.

ومؤخرا، أكدت رؤية جديدة للرعاية الصحية، والتي انبثقت من حركة الرعاية الموجهة في الولايات المتحدة، على أهمية تبني نهج شامل لمعالجة هذه الحالات. وبعد أن كان الهدف في الأصل خفض التكاليف، فقد تحول الآن إلى توفير رعاية صحية أكثر ملاءمة لعصر جديد، والفرضية هنا هي أن الرعاية الطويلة الأمد للعديد من الأمراض تتطلب أشكالاً من التنظيم الطبي تختلف عن تلك الموجهة نحو رعاية الحالات الحادة. ومن الممكن تجنب النوبات الحادة والعلاج المكلف بالمستشفيات من خلال توفير الدعم بالاستعانة بفِرَق متمرسة للرعاية الذاتية للمرضى.

كانت المبادرة الأكثر نجاحاً وراديكالية بين هذه المبادرات نموذج الرعاية المزمنة الذي وضعه الطبيب الأميركي إدوارد واجنر. وهناك مبادرة أقل شمولاً تتمثل في نموذج البيت الطبي، الذي تم تطويره في الولايات المتحدة أيضا، والذي يسعى إلى إنشاء فِرَق من مقدمي الرعاية تتولى توفير القدرة على الوصول إلى الرعاية بشكل أفضل واستمرار الرعاية للمرضى الذين يعانون من أمراض متعددة.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

إن أنظمة الرعاية الصحية الضخمة لا يمكنها أن تحول المسار بسهولة أو بسرعة. ولكن مثل هذه الجهود قد تشكل خطوة صغيرة في الاتجاه الصحيح بتركيزها على الحاجة إلى توفير الرعاية اللائقة والأقل تكلفة للأمراض المزمنة.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel