3

ثلاثة مخاطر تهدد اقتصاد الصين

شنغهاي ــ بعد "معجزة النمو" التي دامت عقودا من الزمن، أصبح اقتصاد الصين مؤخرا مصدرا لقلق متزايد. وقد حظيت بعض العوامل ــ من ديون الشركات المرتفعة إلى القدرة الفائضة في قطاع الدولة ــ بقدر كبير من الاهتمام. ولكن ثلاثة اتجاهات تحظى بقدر أقل من المناقشة تشير إلى تهديدات أخرى للتنمية الاقتصادية في البلاد.

فأولا، على الرغم من انحدار نمو الناتج المحلي الإجمالي، تزايد التمويل الاجتماعي ــ وخاصة الائتمان. ويتصل هذا بشكل مباشر بمشكلة الديون في الصين: فالترحيل المستمر لالتزامات الدين الكبيرة يخلق طلبا مستمرا على السيولة، حتى ولو لم يشهد الاستثمار الفِعلي أي زيادة. ولا يتسم مثل هذا "التوسع الائتماني" ــ الذي هو في حقيقة الأمر مجرد ديون مُرَحَّلة ــ بالاستدامة.

 1972 Hoover Dam

Trump and the End of the West?

As the US president-elect fills his administration, the direction of American policy is coming into focus. Project Syndicate contributors interpret what’s on the horizon.

من الواضح أن قضية الديون تحتاج إلى معالجة. وكانت الحكومة الصينية تعمل على هذا من خلال تنفيذ سياسات تهدف إلى دعم إعادة هيكلة الديون. على سبيل المثال، ساعدت الحكومة المركزية السلطات المحلية لإحلال 3.2 تريليون يوان صيني (471.9 مليار دولار أميركي) من الديون الخَطِرة في عام 2015، ونحو 5 تريليون يوان هذا العام. ومن الممكن أن تعمل خطة مبادلة ديون الشركات بالأسهم على تضخيم تأثير هذه الجهود.

بيد أن هذه الاستراتيجيات من غير الممكن أن تعالج مشكلة الديون في الصين بالكامل، خاصة وأن الحصة الأكبر من الديون في الصين تحتفظ بها شركات مملوكة للدولة. وينطوي أحد الحلول المقترحة على عملية إعادة هيكلة واسعة النطاق للشركات الضخمة المملوكة للدولة. ويغطي بيع أو نقل الأصول المملوكة للدولة الالتزامات، فيصبح بوسع قطاع الدولة الإفلات من الوضع الراهن الغارق في الديون. ومن شأن هذا النهج أن يعمل أيضا على خلق الفرصة لدفع عجلة الخصخصة، والتي قد تعزز بدورها الإبداع والقدرة التنافسية.

ويتلخص الاتجاه الثاني المحفوف بالمخاطر في الانحدار السريع الذي يشهده الاستثمار في الأصول الثابتة. وكان الانحدار ملحوظا بشكل خاص في القطاع الخاص. ففي الفترة من 2002 إلى 2012، كان متوسط استثمارات القطاع الخاص نحو 20%؛ وبحلول نهاية العام الماضي، بلغ نحو 10% فقط، ومن يناير/كانون الثاني إلى أغسطس/آب، بلغ نحو 2.1% فقط، بما في ذلك انكماش مذهل بنسبة 1.2% في يوليو/تموز. كما تباطأ الاستثمار في القطاع العقاري، فارتفع بما يزيد على 1% قليلا في العام الماضي، وذلك نظرا لعدد من القيود المرتبطة بالسياسات.

ولأن الاستثمار الخاص يمثل 60% على الأقل من إجمالي الاستثمار في التصنيع، فسوف يخلف هذا عواقب تتعلق بالاقتصاد الكلي بلا أدنى شك. ورغم أن النمو السريع في استثمارات قطاع الدولة سيعمل على تخفيف التأثير الكلي، فإن هذا الاتجاه يعكس أيضا مشاكل مع هيمنة قطاع الدولة. إذ تناضل الشركات الخاصة للحصول على الائتمان من البنوك التجارية المملوكة للدولة، فضلا عن موقفها غير الجيد في أسواق التمويل المباشر. وعلاوة على ذلك، تواجه الشركات الخاصة المنع من دخول صناعة الخدمات الراقية التي تتسم بكثافة رأس المال والتي تهيمن عليها الشركات المملوكة للدولة. وفي أغلب قطاعات الخدمات الحديثة، تظل حصة الجهات الفاعلة غير الحكومية صغيرة، مما يحد من الاستثمار الخاص.

أما الاتجاه الثالث الذي لابد أن يثير قلق الصين فيتمثل في استمرار البطالة على مستوى ثابت نسبيا. ولأن معدل البطالة ليس مرتفعا بشكل مفرط، فقد يبدو هذا أمرا طيبا. ولكنه يعكس بعض الاتجاهات السلبية ــ بدءا بضعف نمو الإنتاجية لفترة طويلة.

وربما انخفض معدل نمو الإنتاجية في الصين، الذي بلغ في المتوسط نحو 8% على مدى السنوات العشرين الماضية، إلى أقل من 6% اليوم. والصين ليست بالضبط في وضع يسمح لها بزيادة الإنتاجية بشكل كبير. فوفقا للمكتب الوطني للإحصاء�� فاق قطاع الخدمات بشوط كبير قطاع التصنيع في نمو الإنتاجية منذ عام 2010، وهذا عكس الاتجاه السابق.

ونظرا لاحتياج الصين إلى الابتعاد عن التصنيع، فإن هذا ليس خبرا سيئا بالكامل. ولكن أغلب الوظائف التي يجري إنشاؤها في قطاع الخدمات تنحصر في أنشطة منخفضة الإنتاجية. والأسوأ من ذلك هي أنها في الأغلب وظائف غير رسمية تتسم بمعدل مرتفع لتغيير العمالة، مما يعوق تراكم رأس المال البشري.

كما تعكس مستويات تشغيل العمالة المستقرة في الصين ــ مرة أخرى ــ أوجه قصور في قطاع الدولة. فلم تستغن الشركات المملوكة للدولة إلا عن قِلة من العمال، برغم تباطؤ النمو الإجمالي. بعبارة أخرى، هناك بطالة مقنعة كبيرة في قطاع الدولة في الصين، المبتلى بالفعل بأشكال أخرى من أشكال القدرة الفائضة.

ولن تجد الصين خيارا سهلا لمعالجة هذه المشكلة. فإذا استمرت الحكومة في دعم الشركات المملوكة للدولة، وخاصة الشركات "الحية الميتة"، فإن تركز عدد كبير من العمال في الشركات الراكدة المنخفضة الإنتاجية المملوكة للدولة سوف يستمر في تقويض نمو الإنتاجية. ولكن إذا لاحقت الصين خطط إعادة هيكلة قطاع الدولة، فسوف ترتفع معدلات البطالة. وبمجرد تعطلهم عن العمل، يميل العمال في قطاع الدولة إلى استغراق وقت أطول كثيرا، مقارنة بنظرائهم في القطاع الخاص، للعثور على وظائف جديدة.

بيد أن إعادة هيكلة قطاع الدولة تبدو ضرورة حتمية. والواقع أنها ستساعد في معالجة عدد من التحديات الأكثر جوهرية التي تواجه الصين، من الدين والقدرة الفائضة إلى الافتقار إلى القدرة التنافسية.

من المؤكد أن بعض المراقبين يتحدثون عن ضرورة السماح للشركات المملوكة للدولة بمواصلة عملياتها، ويستشهدون بأرباحها الضخمة. ولكن هذه الأرباح كانت نتيجة لحالة الاحتكار واستثمارات الدولة الهائلة، والتي تجلب عوائد أقل مقارنة باستثمارات القطاع الخاص. ولهذا السبب يُصبِح تحقيق التقدم على مسار إصلاح الشركات المملوكة للدولة أمرا شديد الإلحاح، بصرف النظر عن التحديات القصيرة الأجل بل وحتى المتوسطة الأجل التي قد يجلبها هذا الإصلاح.

قبل عشرين عاما، بدأ رئيس مجلس الدولة تشو رونج جي آنذاك ملاحقة هذا الإصلاح، بهدف تعزيز كفاءة الشركات المملوكة للدولة وخلق الحيز اللازم لاستثمارات القطاع الخاص. ولكن الإصلاحات لم تكن مكتملة، وتراجعت الصين عن بعضها، مع استعادة الشركات المملوكة للدولة حصتها في السوق في بعض الحالات.

في عام 2013، تولت الجلسة المكتملة الثالثة للجنة المركزية الثامنة عشرة للحزب الشيوعي الصيني المسؤولية، فوضعت خطة لإصلاح الشركات المملوكة للدولة من خلال الملكية المختلطة. ولكن هنا أيضا كان التقدم غير كاف. والواقع أن الملكية المختلطة تصبح في غياب إعادة التنظيم الاستراتيجي للشركات المملوكة للدولة مظهرا للقطاعات غير الأساسية فقط.

Fake news or real views Learn More

إذا كان للصين أن تنجح في إعادة هيكلة اقتصادها، ورفع مستوى صناعاتها، والتوسع في الخدمات العالية الإنتاجية، فلابد أن يكون دور الشركات المملوكة للدولة محصورا في عدد قليل من الصناعات ذات الصِلة. وعندئذ فقط يصبح بوسع الصين استعادة ديناميتها وإلإبقاء على نموها الاقتصادي على المسار الصحيح.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel