nasr2_Noel Celis - PoolGetty Images_china iran Noel Celis/Pool/Getty Images

الصين تُـلَـوِّح بورقة إيران

واشنطن العاصمة ــ في وقت سابق من هذا الشهر، أعلنت إيران عن تفاوضها مع الصين بشأن اتفاقية مدتها 25 عاما تغطي مجالات التجارة، والطاقة، والبنية التحتية، والاتصالات، وحتى التعاون العسكري. بالنسبة لإيران، تجيء احتمالية عقد شراكة استراتيجية مع الصين في توقيت مهم وحساس، حيث تواجه الحكومة الإيرانية سخطا شعبيا منذ فترة بسبب غرق الاقتصاد المحلي، الذي سحقته العقوبات الأميركية، إضافة إلى مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19) في الوقت الحالي.

وقد زادت سلسلة التفجيرات، التي وقعت مؤخرا في أنحاء البلاد، الأمور سوءا وتعقيدا، مما عمق الشعور بأن النظام محاصر. وبعد تدمير موقعين على الأقل مرتبطين ببرامج نووية وصاروخية إيرانية، تبدو تلك الحوادث جزءا من استراتيجية أكبر تنفذها الولايات المتحدة وإسرائيل لشل قدرات إيران.

وبالتالي فإن الأنباء بشأن اتفاقية كبرى مع الصين تشكل إلهاء مرحب به من جانب الحكومة الإيرانية، بل وقد يُكسبها بعض الوقت للحفاظ على الوضع الراهن حتى موعد الانتخابات الأميركية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، حيث ستحدد نتيجة ذلك السباق مسار العلاقات الأميركية الإيرانية ومصير الاتفاق النووي مع إيران الموقع عام 2015، والمعروف بخطة العمل الشاملة المشتركة، كما ستؤثر أيضا على انتخابات إيران الرئاسية ذاتها والمزمعة في يونيو/حزيران 2021.

تؤكد الشواهد التاريخية عزوف الإيرانيين عن التحالف الوثيق مع أي قوة عظمى، وهم أقل استعدادا للقبول بالوصاية الاقتصادية. ومع كون علاقة إيران بالصين مصدرا للجدال في الداخل بالفعل، فمن المحتمل أن يرفض البرلمان التصديق على الاتفاقية إذا لم تُنقّح بطريقة تعالج وتبدد مخاوف معينة.

لكن الاقتصاد الإيراني يعاني حالة من السقوط الحر منذ عام 2018 عندما انسحبت إدارة ترمب من الاتفاق النووي وأطلقت حملة "الضغوط القصوى" بعقوبات استهدفت التضييق الشديد على النظام. فضلا عن ذلك، تقع حكومة الرئيس الإيراني حسن روحاني تحت وطأة ضغط داخلي هائل، في ظل حالة من الغضب العام تواجه النظام ككل. هنا يتيح الإعلان عن اتفاق مع الصين فرصة لحكومة روحاني لإظهار أنها لا تضع بيضها كله في سلة الغرب، كما أنها بذلك توجه رسالة للشعب الإيراني بأنهم غير معزولين، بل وأنهم قد ينعمون بمظاهر تحسن اقتصادي رغم العقوبات الأميركية.

على المستوى الدولي، نجد أن إيران سعت دوما لموازنة قوة عظمى بأخرى. فخلال العقد الماضي، وردا على الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية الأميركية، تطلعت قواتها الأمنية إلى روسيا، وقطاعاتها الاقتصادية الرئيسة إلى الصين، فيما تواصلت حكومة روحاني مع أوروبا. والآن، ومع تنامي التوترات بين الصين والولايات المتحدة، تتطلع إيران إلى الصين لتدعيم اقتصادها وخلق توازن في مقابل القوة الأميركية. كما أن من شأن توثيق الروابط مع الصين أن يمنح إيران ثقلا أكبر في المحادثات المستقبلية مع الولايات المتحدة وأوروبا عند تنقيح الاتفاق النووي أو إحيائه، وكذلك في تعاملها مع خصومها الإقليميين كالسعودية والإمارات.

Subscribe to Project Syndicate
Bundle2020_web

Subscribe to Project Syndicate

Enjoy unlimited access to the ideas and opinions of the world's leading thinkers, including weekly long reads, book reviews, and interviews; The Year Ahead annual print magazine; the complete PS archive; and more – all for less than $2 a week.

Subscribe Now

على النقيض، ستكون أي شراكة اقتصادية مع إيران بمثابة حقل ألغام بالنسبة للصين. ورغم استمرار الصين في التجارة مع إيران والاستثمار في بنيتها التحتية، فقد يؤدي أي تعميق للروابط إلى إثارة غضب أميركا في مرحلة حرجة ومتزايدة الحساسية. وإذا أقدمت الصين على تعريض نفسها لعقوبات أميركية محتملة، فإنها بذلك تخاطر بفقدان بعض فرص وصولها للسوق الأميركية (التي تفوق السوق الإيرانية حجما بمراحل). لذا لم يكن مفاجئا أن يبدو المسؤولون الصينيون أقل حماسا نسبيا حيال المفاوضات من نظرائهم الإيرانيين. كذلك لا ترغب الصين في حدوث أي اضطراب أو خلل في شراكاتها الإقليمية مع إسرائيل أو السعودية، حيث تنخرط كل منهما حاليا في حروب بالوكالة وعمليات سرية ضد إيران.

رغم ذلك، ترى الصين بجلاء شيئا من القيمة والفائدة في عقد ترتيب شامل مع إيران ــ التي تمثل لاعبا إقليميا كبيرا ومهما، يؤهله ما يمتلكه من موارد طاقة ضخمة وإمكانيات اقتصادية هائلة لأن يكون مرشحا طبيعيا لمبادرة الحزام والطريق الصينية المتجهة غربا. وتشتري الصين بالفعل النفط بأسعار مخفضة من إيران ــ وهذه ليست بالفائدة الهينة لأكبر مستهلك للطاقة في العالم ــ كما أضحت الشريك التجاري الرئيس لإيران، بتعاملات أبرزها كون الصين مورّدا رئيسا للآلات الثقيلة وسلع الصناعات التحويلية.

بنظرة أوسع وأشمل، سنجد أن الاهتمام الصيني بغرب آسيا تزايد بوتيرة ثابتة طوال العقد الماضي. فهي الراعي الرئيس لمنظمة شنغهاي للتعاون الإقليمي، وقد استثمرت أكثر من 57 مليار دولار في باكستان. ومع تأهب الولايات المتحدة لمغادرة أفغانستان، ستمنح الشراكة مع إيران الصين ما يشبه قبضة خانقة على الممر الاستراتيجي الممتد من آسيا الوسطى إلى بحر العرب.

وكجزء من هذا التوسع، تستطيع الصين السيطرة حتى على ميناء شاباهار الإيراني، الذي تطوره غريمتها الآسيوية الهند، ردا على تطوير الصين لميناء جوادر الباكستاني القريب من الميناء الإيراني. وتكمن أهمية ميناء شاباهار للهند في تمكينها من مباشرة تجارتها مع دول آسيا الوسطى بعيدا عن باكستان، التي تمثل خصما آخر لها. لكن رغم أهمية الميناء المعترف بها، فإن العقوبات الأميركية تجبر الهند على الخروج من شاباهار وإحباط إيران. وفي الحقيقة، تشير التقارير إلى أن إيران تحاول طرد الهند حاليا من مشروع خط للسكك الحديدية يتحاشى باكستان ويصل إلى أفغانستان وآسيا الوسطى. وقد جاءت الأنباء بشأن هذا التصدع في العلاقات الإيرانية الهندية فور إعلان الصين والهند عن اتفاق مبدئي بينهما.

تُظهر المناوشات التي وقعت مؤخرا على الحدود بين الصين والهند مدى الجدية التي تتعامل بها الصين مع مسألة وجودها في غرب آسيا. وبالإضافة إلى ما تمنحه هذه الاتفاقية للصين من فتح الباب أمامها للسيطرة على ميناء شاباهار واحتكار طرق التجارة المؤدية إلى آسيا الوسطى، فهي تتيح لها في الظاهر أيضا فرصا لتطوير منشآت عسكرية على خليج عمان. ورغم سعي الولايات المتحدة منذ وقت طويل لتحويل تركيزها من الشرق الأوسط إلى الصين، فإن الاتفاق الصيني-الإيراني الناشئ يذكرنا بأن المسرحين غير منفصلين بأي حال من الأحوال.

لقد شجع تزايد الضغوط الأميركية على الصين وإيران الدولتين على إقامة جبهة مشتركة. ورغم أن الطريق لا يزال طويلا أمام العلاقات الصينية الإيرانية حتى تتحول إلى محور جديد، فإن المفاوضات الأخيرة تبين أن ترتيبا كهذا ليس مستبعدا.

يتحتم على واضعي السياسة الخارجية الأميركية الانتباه لتلك التطورات. وسيكون على الولايات المتحدة السعي لإحداث وقيعة بين الصين وإيران، بعد أن تقرر أي الدولتين تشكل خطرا أكبر. ربما لا يرغب الأميركيون في أكثر من الرحيل عن الشرق الأوسط للأبد، لكن الحقيقة هي أن التنافس الاستراتيجي مع الصين لن يقتصر على شرق آسيا فحسب.

ترجمة: أيمن أحمد السملاوي    Translated by: Ayman A. Al-Semellawi

https://prosyn.org/GBXWNuUar