16

اقتصاد حقيقي للصين

نيويورك ــ أفضت عقود من النمو البطيء مع الأزمة المالية لعام 2008 إلى تحول أشبه بالزلزال في الفكر الاقتصادي في كثير من دول العالم. ويتردد حديث عن نقل الموارد من مجال الاستثمار إلى الاستهلاك، ومن مجال الصناعات الثقيلة إلى "الخدمات"، ومن القطاع الخاص إلى القطاع العام. بيد أن الصادم في الأمر بالنسبة لي هو أن هذه الحجج إنما تركز فقط على تحسين مزيج المُخرجات داخل الاقتصاد، دون الاهتمام بالعمل.

ويبدو هذا واضحا في حالة الصين، وهي الآن وفق بعض التقديرات أكبر اقتصاد في العالم. ولا ريب أن على الصين الامتناع عن تخصيص مزيد من الاستثمارات في مصانع الصلب الثقيل والمباني السكنية الفارغة. وعليها في المقابل التركيز على العمال وعلى الارتقاء بخبرات عملهم، الأمر الذي وضعه الاقتصاديون في بؤرة اهتمامهم منذ آدم سميث وحتى كارل ماركس وألفريد مارشال.

قد لا يوافقني الجميع الرأي حين يتعلق الأمر بخبرة العمل، إذ يعتقد كثيرون ــ وبشكل خاص في أوروبا القارية ــ أن التوزيع الأمثل للموارد (وما يستلزمه من مؤسسات تعمل يشكل جيد) إذا ارتبط بالاستثمار في التعليم هو أقصى المُراد. ثم أن الإيطاليين والألمان والفرنسيين يؤدون عملا شاقا وجيدا في عدد قليل نسبيا من ساعات العمل، مما يفضي إلى إنتاجية عمل وأجور مرتفعة في الساعة ــ أعلى من مثيلاتها في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

بيد أن الأوروبيين القاريين لا يبدو أنهم سعداء بشكل خاص بظروف عملهم. والدليل المباشر على هذا هو تفضيلهم لربط العطلة بالإنجاز في العمل وللتخفيض النسبي لمشاركة القوة العاملة. وتقدم البيانات المرتبطة بالرضا الوظيفي دليلا مباشرا على هذا: فمن بين الدول الغربية الكبرى يحتل عمال أوروبا القارية أدنى المستويات.