China corruption Isaac Lawrence/Getty Images

المعركة التالية في حرب الصين على الفساد

هونج كونج ــ الفساد سرطان لا يأمن منه مجتمع. فهو الذي رفع حصيلة الوفيات الناجمة عن زلزال إيران الأخير، بسبب مساكن شُيدت بمعايير دون المستوى قبل عشر سنوات. وأصاب أيضا البحرية الأمريكية التي تحقق الآن مع أكثر من 60 قائدا برتبة فريق أول بحري ومئات الضباط الآخرين بتهمتيّ التدليس والرشوة. كما أطاح الفساد بحكومات لا حصر لها، من إدارة رئيسة البرازيل ديلما روسيف العام الماضي إلى حكومة تشيانج كاي شيك القومية في جمهورية الصين.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

الواقع أن الرئيس الصيني شي جين بينج، وهو دارس ذكي للتاريخ، يدرك تمام الإدراك القدرة التدميرية المحتملة للفساد ــ وقد واجه الظاهرة مباشرة ودون مواربة. لكن مع استمرار عملية تحديث الاقتصاد الصيني، لا يزال هناك الكثير من العمل الواجب إنجازه.

قبل الإصلاحات الاقتصادية التي جرت في ثمانينيات القرن الماضي، كان الفساد في الصين قليلا نسبيا، لأن الحجم المحدود للسوق قيد فرص سوء الاستغلال الإداري. لكن مع تعمق السوق، سهلت عوامل مثل نقص التشريعات وضعف الإجراءات الاحترازية من قبل المؤسسات تزايد الفساد وسوء الاستغلال الإداري بصورة فجة. لكن في الوقت ذاته ومع ارتفاع مستويات الدخل والتعليم، أصبح المواطنون أقل تسامحا مع مثل هذه الممارسات، لتتزايد مطالبهم بضرورة توصيل المنافع والخدمات العامة الأساسية بشكل شفاف وقانوني، من البنية التحتية إلى حماية البيئة، فضلا عن المطالبة بتوزيع عادل للدخل والفرص.

واعترافا منه بقدرة الفساد على تقويض شرعية الحزب الشيوعي الصيني وسلطة الدولة الصينية، أطلق شي حملة لمكافحة الفساد غير مسبوقة في نطاقها ومداها وعمقها. فعلى مدار السنوات الخمس المنصرمة، أسفرت هذه الحملة عن فصل ومعاقبة ومجازاة ما لا يقل عن 440 مسؤولا بالحكومات الإقليمية، و8900 على مستوى المجالس المحلية، و63 ألفا على مستوى الريف، و278 ألفا على مستوى القرى. كما أحيل نحو 58 ألف فرد لمزيد من التحقيقات الجنائية. وبالجملة، طالت هذه الحملة 1.7% من أعضاء الحزب الشيوعي الصيني البالغ عددهم 89 مليونا ــ ومنهم "النمور" (قادة الحزب)، و"الذباب" (صغار المسؤولين).

لكن المبادرة لم تنته بعد، فلا يزال أمامها الكثير. وفي المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني الذي انعقد الشهر الماضي، أقر الحزب إنشاء لجنة إشراف وطنية لدعم وتحديث حملة مكافحة الفساد كي تتجاوز أعضاء الحزب لتشمل كل المسؤولين الذين يمارسون سلطة عامة على كل المستويات. لكن بناء هيئات قوية ومتينة لمكافحة الفساد لن يكون بالأمر السهل، نظرا لقدرة المسؤولين الفاسدين المترسخة على السيطرة على مثل هذه الهيئات.

ولو نظرنا في نوعية الفساد في الاقتصادات المتقدمة التي كشفتها الأزمة المالية العالمية في الفترة 2007-2008، لوجدنا أن المصالح الشخصية تكفل سن القوانين واللوائح التي ترسخ مكاسب أصحاب هذه المصالح. ففي الولايات المتحدة مثلا، يشجع قرار مواطنون متحدون المثير للجدال الذي أصدرته المحكمة العليا عام 2010 مثل هذه النتائج بصورة مؤثرة، إذ يسمح هذا القرار للمؤسسات والنقابات بإنفاق مبالغ غير محدودة بأسماء مستعارة للتأثير في انتخاب أو خسارة مرشحين معينين. وكنتيجة لهذه القرار، وصل حجم الإنفاق الخارجي في دورة 2016 الانتخابية حوالي 1.4 مليار دولار، مقارنة بأقل من 100 مليون دولار في دورة 2006.

لذا فالفساد ليس فشلا من قبل الدولة فحسب، وإنما يرتبط كذلك ارتباطا وثيقا بفشل السوق والأنظمة القضائية والأيديولوجية. فحيثما أمكن استخدام السلطة الاقتصادية والاجتماعية المتركزة التي تميل الأسواق المالية واقتصادات الشبكات إلى خلقها للسيطرة على السلطة السياسية، يصير من المستحيل عمليا وضع نظام فعال من الضوابط والتوازنات الرقابية.

هنا نجد ديفيد جريبر عالم الأنثروبولوجيا في كلية لندن للاقتصاد يؤطر المشكلة من منظور كيفية تناول الفاعلين السياسيين لقضية البيروقراطية. وكما يوضح جريبر، فإن أنصار اليمين السياسي يدينون البيروقراطية المفرطة، لكن حلهم لتقليص دور الدولة والسماح لقوى السوق بأن تتولى دورها هو ما يغذي بالفعل تفشي البيروقراطية على نحو مزعج ومرهق.

ويلخص جريبر هذه القضية فيما يسميه "بقانون التحرر الحديدي"، حيث يقول إن "أي إصلاح للسوق، وأي مبادرة حكومية تهدف إلى تقليص الروتين وتشجيع قوى السوق ستسفر في النهاية عن زيادة العدد الكلي للقوانين واللوائح، والكم الكلي للمعاملات الورقية، والعدد الكلي للبيروقراطيين الذين تعينهم الحكومة". بمعنى آخر، يمكن للأسواق أن تؤدي دورها بفعالية إذا كان هناك توجيه من دولة قوية شريفة عادلة، مع إجراءات فعالة للحماية من سوء الاستغلال والفساد من قِبل كلٍ من الفاعلين في السوق الذين يقدمون الرشا، والمسؤولين الذين يقبلونها.

لكن ماذا يعني هذا بالنسبة للصين؟ بداية تحتاج الدولة لتطوير آليات حديثة لحل المنازعات المدنية الناشئة عن حقوق الملكية غير الواضحة، أو القواعد الغامضة لمعاملات السوق. هنا يمكن للصين أن تستلهم نظام القانون العام الغربي، الذي يحسم القضايا على أساس سوابق قائمة، أو أن تجرب استخدام المحاكم الإدارية لحل النزاعات بين الأفراد والبيروقراطية. كذلك تشكل لجنة هونج كونج المستقلة لمكافحة الفساد نموذجا مفيدا في هذا الصدد.

في الوقت ذاته، يتحتم على الصين أن تقلل بواعث الفساد برفع أجور الموظفين الحكوميين على كل المستويات. والواقع أن مرتبات المسؤولين يجري تحديدها عادة بما يتوافق مع المستوى العام للدخل القومي. لكن الأجر الناتج ليس مرتفعا بدرجة كافية لتقليل الإغراء الذي يواجهه المسؤولون لاستغلال سلطاتهم الكبيرة للتربح في قطاعات رئيسة مثل الطاقة، والمالية، والعقارات.

في المقابل، نجد أن المسؤولين في الاقتصادات المتقدمة لا يحصلون على أجور أعلى كثيرا فحسب، لكنهم أيضا يخضعون لقيود على ما يمكنهم فعله ومتى يمكن أن يفعلوه، بعد تركهم لمناصبهم. أما في الصين، يستطيع المسؤولون تقديم الخدمات خلال شغلهم لمناصبهم مقابل الحصول على وظائف أعلى أجرا أو منافع بعد التقاعد.

إن مواصلة محاسبة الفاسدين ومنع المصالح الشخصية من السيطرة على الهيئات ــ وهي عملية تتضمن ترسيخ الأخلاقيات داخل المؤسسات البيروقراطية التي تتزايد فيها احتمالات للفساد ــ لن تكون عملا سهلا، بل قد تشكل التحدي الأصعب الذي يواجهه الرئيس شي في تحقيق "الحلم الصيني" كما يسميه. لكن في ضوء ما يجري الآن على أرض الواقع، يبدو أن أجندة الصين لمحاربة الفساد تسير على الطريق الصحيح.

أندرو شنج زميل متميز لدى معهد آسيا العالمي في جامعة هونج كونج، وعضو المجلس الاستشاري لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة لشؤون التمويل المستدام. شياو قنج رئيس مؤسسة هونج كونج للتمويل الدولي، وأستاذ في جامعة هونج كونج.

http://prosyn.org/h5mhnbr/ar;

Handpicked to read next

  1. Patrick Kovarik/Getty Images

    The Summit of Climate Hopes

    Presidents, prime ministers, and policymakers gather in Paris today for the One Planet Summit. But with no senior US representative attending, is the 2015 Paris climate agreement still viable?

  2. Trump greets his supporters The Washington Post/Getty Images

    Populist Plutocracy and the Future of America

    • In the first year of his presidency, Donald Trump has consistently sold out the blue-collar, socially conservative whites who brought him to power, while pursuing policies to enrich his fellow plutocrats. 

    • Sooner or later, Trump's core supporters will wake up to this fact, so it is worth asking how far he might go to keep them on his side.
  3. Agents are bidding on at the auction of Leonardo da Vinci's 'Salvator Mundi' Eduardo Munoz Alvarez/Getty Images

    The Man Who Didn’t Save the World

    A Saudi prince has been revealed to be the buyer of Leonardo da Vinci's "Salvator Mundi," for which he spent $450.3 million. Had he given the money to the poor, as the subject of the painting instructed another rich man, he could have restored eyesight to nine million people, or enabled 13 million families to grow 50% more food.

  4.  An inside view of the 'AknRobotics' Anadolu Agency/Getty Images

    Two Myths About Automation

    While many people believe that technological progress and job destruction are accelerating dramatically, there is no evidence of either trend. In reality, total factor productivity, the best summary measure of the pace of technical change, has been stagnating since 2005 in the US and across the advanced-country world.

  5. A student shows a combo pictures of three dictators, Austrian born Hitler, Castro and Stalin with Viktor Orban Attila Kisbenedek/Getty Images

    The Hungarian Government’s Failed Campaign of Lies

    The Hungarian government has released the results of its "national consultation" on what it calls the "Soros Plan" to flood the country with Muslim migrants and refugees. But no such plan exists, only a taxpayer-funded propaganda campaign to help a corrupt administration deflect attention from its failure to fulfill Hungarians’ aspirations.

  6. Project Syndicate

    DEBATE: Should the Eurozone Impose Fiscal Union?

    French President Emmanuel Macron wants European leaders to appoint a eurozone finance minister as a way to ensure the single currency's long-term viability. But would it work, and, more fundamentally, is it necessary?

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now