9

أزمة المعاشات بالشيلي

سانتياغو –تتعرض خُطط التقاعد المحددة الفائدة لضغوط قوية. وتُسبب التركيبة السكانية المتغيرة مشاكل لما يسمى بنظام الدفع من الأجر أولا بأول، الذي يساهم فيه العمال بتمويل معاشاتهم التقاعدية. وقد نتج عن أسعار الفائدة التي بلغت أدنى مستوياتها القياسية إكراهات كبيرة على الأنظمة الممولة، التي تدفع بموجبها العائدات من الاستثمارات السابقة للحصول على إعانات التقاعد. مؤخرا وصفت صحيفة فاينانشال تايمز قضية المعاشات ب "أزمة اجتماعية وسياسية زاحفة".

وكثيرا ما تتم الإشادة بالاشتراكات المحددة وبالأنظمة الممولة بالكامل كبديل ممكن. وقد حث الشيلي منذ عام 1981 المواطنين على الادخار في حسابات فردية من أجل التقاعد، تُدار من قبل مدراء القطاع الخاص، ولهذا السبب كان من المفترض أن يصبح الشيلي بمثابة الطفل المدلل في هذا الصدد. غير أن مئات الآلاف من الشيليين نزلوا إلى الشوارع احتجاجا على المعاشات المنخفضة. (يبلغ متوسط الفائدة الشهرية المدفوعة من قبل النظام الخاص في الشيلي حوالي 300 دولار، أي أقل من الحد الأدنى للأجور في الشيلي).

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

وبعد شعورها بغضب الشارع، أخذت حكومة الشيلي على نفسها تغيير النظام الذي اعتمدته دول مثل البيرو، وكولومبيا، والمكسيك ، والذي وصفه جورج دبليو بوش في الماضي بأنه "مثال عظيم" لإصلاح الضمان الاجتماعي في الولايات المتحدة. فما الذي يقع؟

يقع اللوم جزئيا على سوق العمل. إذ يعتمد الشيلي الاقتصاد الرسمي أكثر من جيرانه، ولكن كثيرا من الناس - وخاصة النساء والشباب - إما ليس لديهم وظيفة أو يعملون بدون عقد. وبسبب التناوب الوظيفي المتكرر من الصعب المساهمة بشكل منتظم في صندوق التقاعد. كما ثبتت صعوبة تطبيق القوانين التي تفرض على العاملين وضع المال جانبا في حساباتهم الخاصة.

وعلاوة على ذلك، فإن معدل الادخار الواجب قانونا هو 10٪ فقط من الأجر الشهري، و يتقاعد الرجال والنساء في سن 65 و 60 على التوالي - أرقام أقل بكثير من المتوسط في مجلس منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، والنتيجة هي أن الشيليين يوفرون القليل جدا للتقاعد. فلا عجب إن كانت معاشاتهم منخفضة.

ولكن هذا ليس نهاية القصة. بل تعاني بعض الأنظمة المحددة الفائدة من نفس المشاكل التي أصبحت مصدر قلق للاشتراكات المحددة، و أيضا أنظمة الحسابات الخاصة في الشيلي. لنأخذ التغيرات في متوسط العمر المتوقع. امرأة متقاعدة في سن ال60 اليوم يمكن أن تبقى على قيد الحياة حتى سن 90. وكنتيجة لذلك، هناك تراكمات الصندوق على مدى 15 عاما من المساهمات (المتوسط للنساء الشيليات)، وفي المقابل يجب تمويل المعاشات التقاعدية لمدة 30 عاما. يمكن لهذه المفارقة أن تسفر عن معاشات تقاعدية لائقة لو كانت العائدات على الادخار ضخمة.

لكن العائدات ليست ضخمة على الإطلاق. على العكس من ذلك، منذ الأزمة المالية العالمية ل 2008-2009، انهارت أسعار الفائدة في جميع أنحاء العالم بما في ذلك الشيلي. الأمر الذي يؤثر على جميع أنظمة المعاشات التقاعدية الممولة، بغض النظر عما إذا كانت محددة الفائدة أو اشتراكات محددة.

كما تعني العائدات القليلة انخفاض المعاشات التقاعدية - أو عجزا أكبر. ويكون وقع الصدمة أكبر. في حالة العامل المتقاعد الذي يستخدم صندوقه لشراء سنوي، فإن انخفاضا في أسعار الفائدة من 4٪ إلى 2٪ سيخفض راتبه التقاعدي بحوالي 20٪.

وتفا��مت مشكلة معدل العائد في الشيلي بسبب ارتفاع الرسوم التي يتقاضاها مديرو الصناديق، وهي تحدد كنسبة مئوية من الأجر الشهري للعامل. وأجبرت الحكومة مديري الصناديق على المشاركة في المزادات، وكانت هناك منافسة قليلة في السوق (كشفت استطلاعات الرأي أن معظم الناس لم يكونوا على بينة من الرسوم التي تدفع). وخلصت لجنة عينتها الحكومة مؤخرا أن مديري الصناديق قد استفادوا من عوائد عالية على الاستثمارات: في الفترة ما بين 1981 و2013، بلغ المعدل السنوي 8.6٪. لكن ارتفاع الرسوم خفض العائدات الصافية للمدخرين إلى حوالي 3٪ سنويا خلال تلك الفترة.

وتُذر هذه الرسوم العالية أيضا أرباحا ضخمة على مديري الصناديق. وهذا التفاوت بين مبالغ المعاشات التقاعدية الهزيلة والأرباح المذهلة للمديرين هو بالضبط الذي أدى إلى الاحتجاجات. ونتيجة لذلك، فإن أكبر صعوبة يواجهها نظام المعاشات في الشيلي هي ضعف شرعيته.

لمعالجة هذه المشكلة، ينبغي مقاربة نظام المعاشات كوسيلة لإدارة المخاطر - من البطالة، والمرض، وتقلب أسعار الفائدة، والموت المفاجئ، أو عمر طويل جدا. وتُحدد المبادئ المختلفة لتنظيم التقاعد  المخاطر بشكل مختلف حسب العمال، ودافعي الضرائب، والمتقاعدين، والحكومة- نظام التقاعد المحدد الفائدة مقابل الاشتراكات المحددة، ممولة بالكامل مقابل نظام الدفع من الأجر أولا بأول ، بالإضافة إلى جميع النقاط الأخرى.

الدرس الرئيسي الذي ينبغي استخلاصه من الشيلي هو أن الاشتراكات المحددة، التمويل بواسطة الحسابات الفردية، لديها بعض المزايا: يمكن أن تحفز الادخار، وتوفر مخزونا كبيرا ومتزايدا من الأموال القابلة للاستثمار (أكثر من 170 مليار دولار في الشيلي)، وتحفز النمو الاقتصادي. لكنها تترك أيضا المواطنين يتعرضون لمخاطر كثيرة جدا. لذا يجب على أي إصلاح ناجح تحسين سوق العمل، وابتكار آليات أفضل لتقاسم المخاطر، مع الحفاظ على حوافز للادخار. وهذا أمر صعب المنال.

ويتقاسم نظام الشيلي بالفعل المخاطر مع العمال ذوي الدخل المحدود ودافعي الضرائب، عن طريق الحد الأدنى للمعاشات غير القائم على الاشتراكات ومجموعة من المعاشات المرتفعة التي  أدخلت في عام 2008 (كنت آنذاك وزيرا للمالية، وساعدت في تصميم هذا الإصلاح). وتشير التجارب اللاحقة أنه ينبغي تقوية تلك الفوائد وإتاحتها للمزيد من المتقاعدين. لكن تتوفر الحكومة الشيلية على قليل من المال، وحتى العائدات من زيادة الضرائب الكبيرة أسندت قبل عامين لدعم السياسة الخاطئة للتعليم الجامعي المجاني، حتى بالنسبة للطلاب ذوي الدخل المرتفع.

وردا على الاحتجاجات الأخيرة، اقترحت الحكومة خطة إضافية لتقاسم المخاطر: جزء من الزيادة بخمس نقط مئوية في معدل الادخار المتعلق بالتقاعد الإلزامي، سوف يُدفع من قبل أرباب العمل، وسوف يذهب إلى "صندوق التضامن" الذي يدعم الأشخاص ذوي المعاشات الهزيلة. (ولكن لم يُتخذ أي قرار حتي الآن).

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

والهدف من ذلك جيد، ولكن، كالعادة، فإن المشكل يكمن في التفاصيل. على المدى المتوسط ​​والمدى الطويل، يبدو من المرجح أن تُضبط الأجور وأن يتحمل الموظفون عبء إضافيا، وليس أصحاب العمل. وتقدر إحدى الدراسات أن العمال يعتبرون نصف المدخرات الإجبارية ضريبة على الدخل من العمل، بحيث أن زيادة كبيرة فيها (وخصوصا في الأموال التي لا تذهب إلى الحساب الفردي للعامل) يمكن أن تسبب انخفاضا في المشاركة في القوى العاملة، وستساهم في التحول من العمالة الرسمية إلى غير الرسمية، أو كليهما. غير أن الاقتصاد الشيلي في غنى عن ذلك.

ولا توجد حلول سهلة لمعضلة المعاشات التقاعدية، سواء في الشيلي أو في أي بلد آخر. فعلى المشرعين الشيليين القيام باختيارات صعبة مع مفاضلات يصعب تحديدها كميا. وبغض النظر عما سيقررونه فإن المتقاعدين الغاضبين سيراقبونهم عن كثب.