Bank of England Leon Neal/Getty Images

وهم استقرار الأسعار

بازل ــ تحول المسعى الحذر من قِبَل البنوك المركزية الكبرى في ملاحقة التضخم الإيجابي ولكن المنخفض إلى وهم بالغ الخطورة. وسبب خطورته هو أن السياسات اللازمة لتحقيق الهدف ربما تخلف تأثيرات جانبية غير مرغوبة؛ وهو وهم لأنه لا يوجد حاليا أي سبب وجيه لملاحقة هذا الهدف في المقام الأول.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

في سبعينيات القرن العشرين، عندما ارتفع التضخم في الاقتصادات المتقدمة بشكل حاد، قاومته البنوك المركزية، وكانت محقة في ذلك. وكان الدرس الذي استفادته البنوك المركزية من تلك المعركة هو أن التضخم المنخفض شرط أساسي للنمو المستدام. ولكن بمرور الوقت، تحول هذا الدرس تدريجيا إلى اعتقاد مفاده أن التضخم المنخفض يشكل أيضا شرطا كافيا للنمو المستدام.

ولعل هذا التغير كان راجعا إلى الظروف الاقتصادية الحميدة التي رافقت فترة تقليص التضخم من أواخر الثمانينيات إلى عام 2007، والتي يُشار إليها عادة بوصف "الاعتدال العظيم". ومن منظور القائمين على البنوك المركزية، كان من المريح أن يتصوروا أنهم نجحوا في خفض التضخم عن طريق التحكم في الطلب، وأن سياساتهم أفضت إلى العديد من الآثار الجانبية المفيدة للاقتصاد. وفي نهاية المطاف، كان هذا هو السرد الموجه نحو الطلب الذي استخدموه لتبرير إحكام السياسات النقدية في المقام الأول.

لكن العالَم تغير منذ ذلك الوقت. فمنذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين فصاعدا، كان التضخم المنخفض راجعا بشكل كبير إلى صدمات إيجابية على جانب العرض ــ مثل توسع قوة العمل بفِعل طفرة المواليد واندماج العديد من الدول الناشئة في النظام التجاري العالمي. وقد عززت هذه القوى النمو في حين عملت على خفض التضخم. وبدلا من تقييد الطلب، كانت السياسة النقدية تركز بدرجة كبيرة على منع انخفاض التضخم إلى مستوى أقل من المستهدف.

وكما بِتنا نعلم الآن، أدى ذلك إلى فترة من الظروف النقدية المتساهلة، والتي عملت إلى جانب إلغاء القواعد التنظيمية المالية والتطورات التكنولوجية على غرس بذور الأزمة المالية في عام 2007 وما تلاها من ركود. كان الخطأ التحليلي الأساسي آنذاك ــ والذي يظل قائما حتى يومنا هذا ــ هو الفشل في التمييز بين المصادر البديلة لتقليص التضخم.

كان من الواجب أن تؤدي نهاية الاعتدال العظيم إلى تحرير صناع السياسات من وهم الاعتقاد بأن التضخم المنخفض يضمن الاستقرار الاقتصادي في المستقبل. ولكن العكس كان هو الصحيح. فبعد مضاعفة الجهود لتلبية أهداف التضخم، كان لزاما على البنوك كالمركزية أن تعتمد على مجموعة غير مسبوقة من الأدوات السياسية غير المختبرة لتحقيق أهدافها.

على سبيل المثال، يوصي العديد من القائمين على البنوك المركزية الآن باستخدام أدوات "الاحتراز الكلي" لإدارة المخاطر الجهازية في الاقتصاد ــ والتي بدورها ستسمح لهم بالإبقاء على أسعار الفائدة "الأقل لفترة أطول". والمشكلة التي تعيب هذا النهج هي أن الأدلة التجريبية التي قد تقترح أن مثل هذه السياسات ربما تصادف النجاح في تلبية الغرض المنشود قليلة، إن كان لها أي وجود على الإطلاق.

في بعض الأحيان، يعمل القائمون على البنوك المركزية على ترشيد سياساتهم الحالية، ليس من خلال استغلال الفوائد المترتبة على انخفاض التضخم، بل عن طريق التأكيد على التكاليف الباهظة الناجمة عن أي انكماش ولو كان معتدلا. ولكن على الرغم من الأدلة الوفيرة التي تُظهِر أن التضخم المرتفع أكثر تكلفة من الانكماش المعتدل، فمن الصعب أن نجد أدلة مماثلة تشير إلى أن الانكماش المعتدل مكلف إلى هذا الحد.

الواقع أن الافتراض السائد على نطاق واسع بأن المستهلكين والمستثمرين سوف يستخلصون من انخفاضات الأسعار السابقة ضرورة تأخير المشتريات نتيجة للانكماش لا يقوم في الأساس على أي دليل تجريبي. وتشير استجابات المستهلكين في الآونة الأخير في التعامل مع انخفاض الأسعار القطاعية في العديد من الدول، وخاصة اليابان، إلى العكس تماما.

صحيح، من الناحية الحسابية، أن الانكماش يزيد من عبء خدمة الديون الحقيقي (المعدل تبعا للتضخم)، ولكن إذا بلغت مستويات الدين ارتفاعات مرهقة نتيجة للسياسات النقدية المتساهلة، فليس من الواضح أن حل المشكلة يظل المزيد من المال السهل.

كما يُعَد تركيز البنوك المركزية بعناد على التضخم الإيجابي لكن المنخفض في ظل الظروف الاقتصادية السائدة اليوم ممارسة متزايدة الخطورة. فقد ارتفعت نسب الدين العالمية بشكل حاد منذ اندلعت الأزمة المالية، في حين تقلصت هوامش المقرضين التقليديين، الأمر الذي أثار تساؤلات حول صحتهم في الإجمال. ومع استمرار الإقراض في النزوح إلى "الظلال"، أصبح اكتشاف الأسعار في الأسواق المالية منقوصا بشدة، إلى الحد الذي جعل قيمة العديد من الأصول تبدو مبالغا في تقديرها.

تشكل هذه التطورات تهديدا، ليس فقط للاستقرار المالي، بل وأيضا لعمل الاقتصاد الحقيقي. وعلاوة على ذلك، ربما يمكننا أن نزعم أن الأموال السهلة ذاتها ساهمت في تعزيز قوى تقليص الانكماش التي كانت عاتية على نحو غير متوقع في السنوات الأخيرة. ونظرا للتمويل السهل والتسامح التنظيمي، ارتفع المعروض الكلي مع تكاثر الشركات "الحية الميتة". وفي الوقت نفسه، كان الطلب الكلي مقيدا بفِعل رياح الديون المعاكسة ــ والتي نشأت كنتيجة أخرى للظروف النقدية المتساهلة.

في ضوء هذه الظروف، يبدو الإصرار على التيسير النقدي سلوكا أحمق بشكل خاص. وفي ظل المخاطر السياسية العديدة التي تلوح في الأفق، ينبغي للبنوك المركزية أن تفكر على الأقل في إعادة النظر في الافتراضات الأساسية التي تستند إليها سياساتها.

ماذا ينبغي لصناع السياسات أن يفعلوا إذن؟ في المستقبل القريب، يتعين على الحكومات أن تكف عن الاعتماد المفرط على سياسات البنوك المركزية لاستعادة النمو المستدام. وبدلا من الهوس بأهداف التضخم، ينبغي لصناع السياسيات أن يشرعوا (بعد تأخر طويل) في سؤال أنفسهم حول التدابير العملية التي يمكنهم اتخاذها لمنع اندلاع أزمة أخرى. وعلى نفس القدر من الأهمية، يتعين عليها أن يتأكدوا من قيامهم بكل ما في وسعهم للإعداد لمثل هذا السيناريو، في حال أثبتت تدابيرهم الوقائية عدم كفايتها.

بالنظر إلى مسافة أبعد في المستقبل، عندما تُستَعاد بعض مظاهر "الوضع الطبيعي"، ينبغي للبنوك المركزية أن تقلل من التركيز على تحقيق أهداف التضخم في الأمد القريب، وأن تبذل المزيد من الجهد لتجنب دورات "رواج وكساد" الائتمان. فعلى النقيض من الانحرافات الطفيفة، أو حتى الانكماش الطفيف، فإن دورات الرواج والكساد مكلفة حقا.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

http://prosyn.org/ibOBbek/ar;

Handpicked to read next