3

الطريق إلى سلامة السيارات

طوكيو ــ إن السيارة ــ التي ظلت لفترة طويلة رمزاً للحرية والمكانة والنجاح ــ تقف الآن على مفترق طرق. فلأكثر من قرن من الزمان، كانت السيارات سبباً في تمكين المليارات من البشر من السفر إلى مسافات أبعد وبسرعة أكثر وكفاءة أكبر من أي وقت مضى. وقد ساعدت السيارات في دفع الاقتصادات الكبرى على مستوى العالم وتشكيل المشهد الاجتماعي والثقافي الحديث. ولكن كل هذا لم يكن بلا ثمن: الحوادث والازدحام المروري والتلوث والاعتماد على النفط إلى حد ينذر بالخطر، بين تكاليف أخرى.

وعلى هذا فإن التحدي الماثل أمامنا الآن يتلخص في تعزيز الفوائد والحد من الأضرار التي تحدثها سياراتنا (وفي نهاية المطاف القضاء على هذه الأضرار تماما)، حتى يتسنى لنا أن نجعل مستقبل السفر بالمركبات أكثر نظافة وكفاءة وسلامة وفي متناول الجميع. ولكي تظل صناعتنا أداة للتقدم فيتعين علينا أن نتعاون بشكل وثيق مع أقراننا في الصناعات الأخرى والحكومات في ثلاثة مجالات رئيسية: السلامة والبيئة والحد من التكلفة.

 1972 Hoover Dam

Trump and the End of the West?

As the US president-elect fills his administration, the direction of American policy is coming into focus. Project Syndicate contributors interpret what’s on the horizon.

تشكل سلامة الطرق مصدراً للقلق البالغ. ذلك أن أكثر من 3000 شخص يموتون في حوادث مرتبطة بالسيارات كل يوم. وتمثل البلدان الأقل دخلاً نصف المركبات التي تسير على الطرق في مختلف أنحاء العالم ولكنها تعاني من أكثر من 90% من الوفيات المرتبطة بحوادث السيارات. فعدد السيارات في الهند لا يتجاوز ربع عدد السيارات في فرنسا، ورغم هذا فإن الوفيات المرتبطة بحوادث السيارات لديها يبلغ نحو عشرين ضعف مثيلاتها في فرنسا ــ أي نحو ثمانين حادثة أ��ثر لكل سيارة.

ولكن تدابير السلامة آخذة في التحسن. ففي أوروبا انخفض عدد الوفيات على الطرق إلى النصف رغم تضاعف عدد المركبات. ومن بين الأسباب وراء هذا كان تقديم تكنولوجيات مثل المكابح المانعة للانغلاق، والوسائد الهوائية، والتحكم في الثبات إلكترونيا. بل وقد تساعد التكنولوجيات الجاري تطويرها الآن في القضاء على الوفيات المرتبطة بالسيارات تماما.

ومن بين هذه الإبداعات الجديدة القيادة الحرة. ففي الوقت الحالي تعمل شركة رينو وشركة نيسان على تطوير تكنولوجيات تكميلية يمكنها أن تتوقع حوادث التصادم وتستكشفها وتمنعها. ومن خلال تخفيف الضغوط الناتجة عن القيادة وسط الحركة المرورية الكثيفة والمواقع غير المألوفة، تُعَد هذه التكنولوجيا بقدر أعظم من الحماية لكل من السائقين والمشاة. وهي تشكل قيمة خاصة بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من إعاقات حركية، مثل المسنين أو المعوقين.

ولكن مثل هذه التكنولوجيات المتقدمة لا تُختَرَع ببساطة ثم يتم تنفيذها ــ فهي تحتاج إلى الدعم من قِبَل الحكومات في هيئة مجموعة متماسكة من القوانين والقواعد التنظيمية التي تغطي استخداماتها. وبالتالي فيتعين على صناع السياسات أن يشاركوا في مراحل مبكرة من التطوير إذا كان لنا أن نحقق هدف خفض الوفيات على الطرق إلى الصفر خلال حياتنا.

وبوسع صناعة السيارات أيضاً أن تقدم إسهاماً بالغ الأهمية للبيئة. فقبل خمسة عشر عاماً قام اتحاد رينو-نيسان بتقييم الأثر البيئي الذي تخلفه مركباته على مدى دورة حياتها. وقد تناولت الدراسة التأثير المترتب على المواد الخام التي نستخدمها؛ وتأثير عادم السيارات على الصحة العامة، وخاصة في المناطق الحضرية المكتظة بالسكان؛ والإسهام في إجمالي الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري العالمي ــ والتي يأتي 23% منها من صناعة السيارات في مختلف أنحاء العالم.

ونتيجة لهذا التقييم، استثمر الاتحاد أكثر من 4 مليار يورو (5.5 مليار دولار أميركي) في التكنولوجيات عديمة الانبعاثات الغازية. واليوم، تُعَد مجموعتنا هي الوحيدة بين شركات صناعة السيارات التي تنتج بكثافة تجارية خطاً كاملاً من السيارات العديمة الانبعاثات والمركبات التجارية الخفيفة. وقد باعت شركتا رينو ونيسان معاً أكثر من مائة ألف من هذه المركبات في مختلف أنحاء العالم ــ أكثر من كل ما باعته منها كل شركات صناعة السيارات الكبرى مجتمعة.

وتتلخص المهمة الأكبر في دمج هذه المركبات في شبكة كهرباء أكثر كفاءة ونظافة ــ على سبيل المثال، من خلال الاستعاضة عن محطات الطاقة العتيقة التي تعمل بإحراق الفحم بالطاقة الكهرومائية. وفضلاً عن ذلك، ينبغي للحكومات المحلية والوطنية أن تعمل مع صناعة السيارات على دمج المركبات العديمة الانبعاثات في البنية الأساسية للنقل الوطني. وإذا تحقق هذا فنحن نعتقد أن السيارات سوف يصبح من الممكن ألا تخلف أي تأثير ضار على البيئة في المستقبل القريب.

ولكن لا ينبغي لهدف الصحة والسلامة أن يتحقق على حساب البلدان النامية، التي يريد مواطنوها قطف ثمار الازدهار التي استمتع بها مواطنو البلدان المتقدمة لفترة طويلة. في عام 1999، كانت البرازيل وروسيا والهند والصين تمثل 8% فقط من مبيعات السيارات على مستوى العالم؛ وبحلول عام 2012 بلغت مبيعاتها مجتمعة 35% من الإجمالي العالمي. ومن المؤكد أن النسبة سوف تواصل الارتفاع.

أحد أسباب هذا النمو غير العادي هو أن شركات صناعة السيارات طورت المزيد من السيارات بأسعار معقولة لصالح طبقة متوسطة جديدة وأكثر إدراكاً للتكاليف. وسوف يساعد الخط الجديد الذي أنشأه الاتحاد في الهند (CMF-A platform) في تمهيد الطريق لإنتاج المزيد من المركبات بأسعار معقولة في مختلف أنحاء العالم النامي. وتأتي هذه التطورات في طليعة اتجاه متزايد نحو "الإنتاج الاقتصادي" الذي تتبناه الأسواق المتقدمة أيضاً على نحو متزايد.

Fake news or real views Learn More

كان الأثر الذي خلفته السيارات على حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية هائلاً على مدى القرن الماضي. والآن أصبحت المبيعات العالمية لصناعة السيارات أضخم من الناتج المحلي الإجمالي لكل اقتصادات العالم باستثناء الاقتصادات الخمسة الأكبر، وهي توظف أكثر من خمسين مليون شخص في مختلف أنحاء العالم. ويرتبط مستقبل هذه الصناعة بمستقبل الاقتصاد العالمي. والآن يتلخص التحدي في إعادة اختراع السيارة بحيث تظل رمزاً فخوراً للحرية والسلامة في العقود المقبلة.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel