32

بيكيتي ضد بيكيتي

بيركلي ــ في كتابه "رأس المال في القرن الحادي والعشرين"، يسلط رجل الاقتصاد الفرنسي توماس بيكيتي الضوء على التناقضات المذهلة في أميركا الشمالية وأوروبا بين العصر الذهبي الذي سبق الحرب العالمية الأولى والعقود التي تلت الحرب العالمية الثانية. ففي الفترة الأولى، كان النمو الاقتصادي بطيئا، وكانت الثروة موروثة في أغلب الأمر، وكان الأثرياء يهيمنون على السياسة، وكان التفاوت الاقتصادي (وكذا عدم المساواة بين الجنسين والتمييز العِرقي) شديدا.

ولكن بعد الاضطرابات التي صاحبت الحرب العالمية الثانية، تغير كل شيء. فتسارع نمو الدخل، وأصبحت الثروة مكتسبة (سواء كان اكتسابها مستحقاً أو غير مستحق)، وأصبحت الطبقة المتوسطة مهيمنة على السياسة، وكان التفاوت الاقتصادي متواضعا (حتى وإن ظلت المساواة الجنسية والعِرقية بعيدة المنال). وبدا الأمر وكأن الغرب دخل عصراً جديدا. ولكن في ثمانينيات القرن العشرين بدأت هذه الاتجاهات تتحول بشكل مضطرد عائدة إلى النسق الذي كان سائداً قبل الحرب العالمية الأولى.

وتتلخص فرضية بيكيتي الأساسية في أننا لا ينبغي لنا أن نفاجأ بهذا. ذلك أن ارتدادنا إلى الأنماط الاقتصادية والسياسية التي ميزت العصر الذهبي أمر متوقع مع عودة اقتصادات أميركا الشمالية وأوروبا إلى ما هو طبيعي في مجتمع رأسمالي.

يزعم بيكيتي أنه من الطبيعي في الاقتصاد الرأسمالي أن يكون قسماً كبيراً من الثروة موروثا. ومن الطبيعي أن يكون التوزيع غير متساو إلى حد كبير. ومن الطبيعي أن تسعى النخبة الثرية بمجرد تشكلها إلى استغلال السلطة السياسية لتشكيل الاقتصاد على النحو الذي يمكن أفرادها من الاستحواذ على قسم كبير من دخل المجتمع. ومن الطبيعي أن يكون النمو الاقتصادي بطيئا؛ ذلك أن النمو السريع يتطلب التدمير الخلاق؛ ولأن ثروة الأثرياء هي التي سوف تتدمر، فمن غير المرجح أن يشجعوا النمو السريع.