56

بناء حالة دولية تقدمية

أثينا ــ تعيش السياسة في الاقتصادات المتقدمة في الغرب حالة من المخاض السياسي لم يسبق لها مثيل منذ ثلاثينات القرن العشرين. إذ يعمل الانكماش العظيم الذي يمسك بتلابيب الاقتصادات على ضفتي الأطلسي على إحياء قوى سياسية كانت ترقد في سبات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والآن تعود العاطفة للسياسة، ولكن ليس على النحو الذي كان كثيرون منا يرجون أن تكون عليه.

فقد دبت الحياة في اليمين بفِعل الحماسة المناهضة للمؤسسة والتي كانت حتى وقت قريب حكرا على اليسار. ففي الولايات المتحدة، يوبخ دونالد ترامب، المرشح الرئاسي الجمهوري، منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون ــ بقدر كبير من المصداقية ــ بسبب علاقاتها الوثيقة بمؤسسات وال ستريت، وتلهفها على غزو أراض أجنبية، واستعدادها لتبني اتفاقيات التجارة الحرة التي قوضت مستويات معيشة مئات الملايين من العمال. وفي المملكة المتحدة، فَرَض الخروج البريطاني على أتباع تاتشر الغيورين القيام بدور المدافعين المتحمسين عن خدمات الصحة الوطنية.

الواقع أن هذا التحول ليس غير مسبوق. فقد تبنى اليمين الشعبوي تقليديا خطابا شبه يساري في أوقات الانكماش. وكل من يستطيع أن يتحمل العودة إلى خطابات كبار الفاشيين والنازيين في العشرينيات والثلاثينيات فسوف يجد إغواءات تبدو للوهلة الأولى أشبه بأهداف تقدمية ــ مثل تسبيح بينيتو موسيليني بحمد الضمان الاجتماعي أو انتقادات جوزيف جوبلز اللاذعة للقطاع المالي.

إننا نعيش اليوم انعكاسا طبيعيا لانهيار السياسة الوسطية، بسبب أزمة الرأسمالية العالمية حيث أدى الانهيار المالي إلى الركود العظيم الذي تحول اليوم إلى الانكماش العظيم. ويكرر اليمين ببساطة خدعته القديمة المتمثلة في الاستفادة من الغضب المستحق والتطلعات المحبَطة للضحايا لدفع أجندته البغيضة المنفرة.