1

طريقة أفضل للإنتقال من الأبحاث للتطوير

بيليفوي،واشنطن- عندما يجتمع قادة الأعمال للتحدث عن الإبتكار ضمن صناعاتهم فإنهم عادة ما يركزون على المبادرات مثل تحسين التمويل الحكومي للأبحاث الأساسية أو بناء المراكز الرئيسية والحاضنات ولكن هناك عنصر مهم بالنسبة "للإبتكار " عادة ما يكون غائبا عن تلك المحادثات وهو المنتج النهائي.

إن هذا الغياب لم يسقط سهوا بل على العكس من ذلك حيث أن إنعدام المناقشات التي تركز على المنتجات يشير لمشكلة أكثر خطورة بكثير تواجه الشركات من جميع الأحجام في كل صناعة تقريبا فالموضوع بكل بساطة يتمثل في أنه لا يتم إعطاء الأولوية في إستراتيجية الإبتكار لتطوير المنتجات بسبب إنقطاع العلاقة المالية بين التصور والأفكار وبين التسويق .

حتى تزدهر الإقتصادات فإن الأفكار الجيدة تحتاج لدعم من أجل الوصول للأسواق والمنتجات المبتكرة هي التي تجعل الحياة أكثر صحة وفعالية ومرحا ولكن هناك أدلة كثيرة على أن التطوير في أقسام الأبحاث والتطوير لم يستطع مواكبة السرعة الكبيرة للإبحاث في العصر الحديث.

وحتى أن معظم الإقتصادات قوة لديها فائض من الأفكار التي لا تصل للمستهلكين ففي الولايات المتحدة الأمريكية فقط 5% من جميع براءات الإختراع النشطة تحصل على الترخيص أو تصل لمرحلة التسويق فمعظم الشركات تستخدم أقل من ربع الإختراعات التي تمتلكها كما أن نقل التكنولوجيا من المؤسسات الأكاديمية ليس في وضع جيد كذلك فعلى الرغم من إصدار أكثر من 75 ألف براءة إختراع للجامعات الأمريكية منذ سنة 1969 فإن الغالبية الساحقة من مكاتب نقل التكنولوجيا –وحدات إدارية تدير ناتج الملكية الفكرية للمؤسسة الأكاديمية- قد فشلت في جمع الدخل الكافي حتى لتغطية نفقاتها التشغيلية.

لو أردنا أن نغير تلك التوجهات ونزيد ناتج الإبتكار بإقصى درجة ممكنة فنحن بحاجة للمزيد من الآليات من أجل تمويل تسويق الأفكار الذكية.

في الوقت الحالي فإن الشركات الناشئة المدعومة برأس المال هي الآلية القياسية من أجل الإنتقال من الأبحاث إلى التطوير علما أنه قد تأسيس تلك الشركات لسبب وحيد هو الدفع قدما بهذه الأفكار الجيدة لتصل لمرحلة التطوير ونظرا للتقييمات الممتازة لبعض الشركات الناشئة فإن من السهل الإفتراض أن وجود نظام بيئي صحي من الشركات الذكية وتمويل رؤوس أموال المشاريع هو كل ما نحتاجه من أجل التحقق من وجود الإبتكار.

لكن معظم الشركات غير قادرة ببساطة على تسويق الأفكار الجيدة لإنها تفتقر للقدرة على  الوصول لرؤوس الأموال المخصصة للإبتكار . إن الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم عادة ما تعاني من اجل تأمين التمويل لبناء البنية التحتية اللازمة للإبحاث والتطوير فالشركات المتعددة الجنسيات تستخدم جزء من الأرباح لتمويل الأبحاث والتطوير ولكن بسبب أن هذا النهج يمكن أن يؤثر سلبا على قيمة أسهم الشركة فإنه حتى تلك الشركات عادة ما تكون متحفظة على الدفع قدما بالأفكار الجديدة.

لو قمنا بمقارنة هذا السيناريو بالطريق�� التي تمول فيها الشركات المتعددة الجنسيات إستثمارات البنية التحتية لوجدنا أنه لو أرادت شركة دوبونت على سبيل المثال بناء منشأة تصنيعية جديدة فإن بإمكانها الإقتراض من البنك وسداده من الأرباح الناتجة ولكن لو أرادت دوبونت رأس مال من أجل إنتاج مادة كيماوية جديدة في مصنع قائم فإنه لن يكون بإمكانها الحصول على قرض لإن البنوك لا تعرف كيف تقيم مخاطر المنتجات المبتكرة (سواء في الصناعات الكيماوية أو الصناعات الأخرى).

ما لم تكن شركة عملاقة مثل آلفابيت أو آبل أو تيسلا فإنه لن يكون بإمكانك تبرير مخاطر وتكلفة برنامج خلاق للإبحاث والتطوير علما أنه في هذه الإيام فإنه حتى في حالة أكبر الشركات فإن هناك إحتمالية أكبر لإكتساب تكنولوجيا جديدة معدة مسبقا عوضا عن تطويرها ضمن تلك الشركات وهذا من أسباب أن عمليات الدمج والإستحواذ قد أصبحت شائعة بشكل متزايد (ولهذا السبب كذلك ينظر بعض المراقبين لعمليات الدمج والإستحواذ على إنها عمليات الأبحاث والتطوير الجديدة).

إن هذا الوضع ليس مثاليا بالنسبة للمستثمرين كذلك كما رأينا في حالة شركة سوني بلايستيشن للتحكم بالألعاب . إن تطوير البلايستيشن قد إجتذب إهتماما كبيرا من المستثمرين في التسعينيات ولكن الطريقة الوحيدة لدعم المشروع كان من خلال شراء الأسهم في الشركة الأم – والتي ضمت نشاطات تجارية تتعلق بالموسيقى والأفلام والكاميرا والتلفاز كذلك .إن إنعدام التوافق هذا لا يعتبر فعالا بالنسبة للشركات كما لا يعتبر فعالا بالنسبة للمستثمرين وحتى أنه لا يعد خيارا للشركات الأصغر فبيع الأسهم يكون صعبا عندما تكون شركة صغيرة أو متوسطة الحجم.

إن من الواضح أن نماذج التمويل الحالية تخنق الإبتكارات والإستثمارات التي تتعلق خصيصا بالمنتجات وتعمل على تهميش الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم . إن مسؤولي الحكومات الذين أتحدث إليهم مهتمون بشكل أكبر بالمحافظة على سلامة الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم في بلادهم أكثر من حماية الشركات متعددة الجنسيات وذلك لإسباب مقنعة تتمثل في أن الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم في كل مكان تمثل حصة كبيرة من التوظيف وخلق الوظائف ولكن بالرغم من ذلك فإنها لا تحصل على الفرص التمويلية التي تستحقها.

من أجل تغيير هذا الواقع فإن الشركات بحاجة لاليات التمويل التي تكون مرتبطة بتطوير المنتجات وإحدى هذه الإفكار تتعلق بالصناديق القائمة على الدين والتي تعرض سندات بعوائد أكثر قابلية للتنبؤ على أساس الإيرادات من المنتجات الجديدة . إن من الممكن هيكلة تلك الصناديق من أجل تقاسم المخاطرة بين مجموعة متنوعة من المشاريع أو القطاعات والتي يمكن أن تجعلها أكثر جاذبية للمستثمرين الذين يتجنبون تمويل المشاريع عالي المخاطر. إن مثل هذا النوع من التمويل سيؤدي إلى توافق أفضل بين المستثمرين والمشاريع الإبتكارية.

إن الشركات التي لديها سجل إيجابي حافل ومهارات تقنية وفرق إدارية تتمتع بالخبرة وقنوات تسويقية راسخة هي مصادر للإبتكار لا تستطيع أي دولة أن تقوم بتبديدها . إن محددات نظام التمويل الحالي يعني أن الدول تضيع الفرص وعلى الرغم من وجود آليات جاهزة قليلة من أجل تسويق المنتجات فإن الشركات العالمية ومؤسسات الأبحاث والجامعات والمختبرات الحكومية تنفق معا أكثر من تريليون دولار أمريكي على الأبحاث والتطوير سنويا وبدون نهج جديد لتمويل المنتجات فإن معظم الذي يكتشفونه سيبقى حبيس الأدراج .