42

طلاق بريطانيا الفوضوي

لندن – في الوقت الذي تبدأ فيه بريطانيا رسميا سلسلة المفاوضات الجادة لاستبعاد نفسها من السياسة والاقتصاد الأوربيين، ترفض رئيسة الوزراء تيريزا ماي استخدام كلمة "طلاق" لوصف ما يحدث. زوجتي، وهي محامية متقاعدة مختصة في شؤون الأسرة والوساطة، تعتقد أن ماي ربما على حق. قبل كل شيء، لا يزال البيت العائلي الذي سنغادره يحتوي على الكثير من تاريخنا وأسرتنا، فضلا عن مصلحتنا الاقتصادية في المستقبل. وبهذا المعنى، الطلاق لا يعد خيارا جيدا.   

لم تكن بريطانيا في يوم من الأيام جزيرة معزولة كما يظنها بعض الناس. من أسرتنا المالكة الحاكمة (وهي ألمانية) إلى صادراتنا (بأغلبية ساحقة إلى أوروبا)، فقد ساعدنا على تشكيل أوروبا الغربية، وبدورنا، تأثرنا بالتطورات في بقية أوروبا الغربية. نحن بعيدون فقط ب 20 ميلا (33 كيلومتر) عن المياه - هذه الأيام، على ما يبدو 20 ميلا مسافة بعيدة جدا - على مضيق دوفر.

فلماذا نغادر؟ السبب هو مزيج من الإحباط، والوهم، والكذب، والعقل الدموي. لقد سئمنا من عجز أوروبا عن معالجة بعض أكبر التحديات التي تواجهها - بدءا من التنافسية إلى الهجرة - دون السعي للحصول على مزيد من السلطات المركزية.

بالإضافة إلى ذلك، خضع قادتنا السياسيون منذ سنوات لأولئك المعادين للاتحاد الأوروبي، من خلال قبول أي انتقاد له، لكن كثير منهم مجرد مخادعين. نحن نرفض أن نرى أنفسنا على ما نحن عليه: بلد متوسط الحجم لم يعد يحكم كثيرا من العالم. نحن مقتنعون أيضا بأنك لا تستطيع أن تكون وطنيا دون أن تكون قوميا.

ويمكننا، بل وينبغي علينا، أن نعالج عواقب هذا التفكك دون أن نواجه المزيد من المشاكل. لكن عملية الانفصال حتى الآن لا تقدم أملا كبيرا.

كان استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في يونيو / حزيران الماضي بحد ذاته كارثة. لا ينبغي للديمقراطية البرلمانية أن تتحول إلى هذه الأجهزة الشعبوية. ومع ذلك، كان يمكن أن يكون رد فعل ماي على التصويت بنسبة 52٪ للانفصال عن أوروبا بقولها إنها ستُسلم مهمة المفاوضات إلى مجموعة من الوزراء الذين يؤمنون بهذه النتيجة والذين سيقدمون نتيجة المحادثات في الوقت المناسب للبرلمان والشعب. وبدلا من ذلك، حولت حكومتها بأكملها إلى آلة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، على الرغم من أنها كانت دائما ترغب في البقاء في الاتحاد الأوروبي. شعار حكومتها الآن هو "خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو الإفلاس". للأسف، سنحصل غالبا على كليهما.

فماذا سيحدث بعد ذلك؟ لا أحد لديه فكرة. الجرف يطل.  والصفقات تصطف.

نحن نعلم أن ما يقرب من نصف صادراتنا تذهب إلى الاتحاد الأوروبي، خمس مرات أكثر من التي تذهب إلى الكومنولث بأكمله وست مرات أكثر من جميع دول البريكست. لكننا تخلينا عن البقاء في السوق الواحدة (الأمر الذي يتطلب منا قبول الاختصاص الأوروبي وحرية حركة العمل) أو الاتحاد الجمركي. على ما يبدو نحن نريد اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي بشروطنا الخاصة، التي تغطي الصناعات والخدمات الرئيسية لدينا.

يقول وزير خارجية ماي بوريس جونسون إننا نسيطر تماما على الوضع في هذه المفاوضات، لأن الأوروبيين يريدون مواصلة بيع الخمر الإيطالي "بروسيكو" لنا، على سبيل المثال. لكن على أي حال، يقول وزراء ماي، لا يهم إذا لم يكن لدينا أي اتفاق على الإطلاق. نحن ببساطة سنغادر. ويصرون على أن عدم وجود أي صفقة ليس بالضرورة نتيجة سيئة، لأن العالم حريص على القيام بمزيد من الأعمال معنا، والتي سوف تكون أرخص في المستقبل حيث سيستمر الجنيه الإسترليني في الانخفاض.

كل هذا، بالرجوع إلى الكلمة التي ترفض ماي استخدامها، كأنه طلاق لا ينسى إلى حد ما. وسيرافق كل تطور وتغيير في المحادثات غضب وكراهية للأجانب من قبل الجناح المتطرف في حزب المحافظين الذي تنتمي إليه ماي وفي الصحافة الصفراء التي تدين لها الآن.

إنه أمر سيئ للغاية أننا نسعى إلى تدمير اقتصادنا، مما سيجعل الفقراء أكثر فقرا بل وأكثر عرضة للمخاطر. وعلاوة على ذلك، فإننا نقلب العديد من قواعد واتفاقيات ديمقراطيتنا البرلمانية، التي ينبغي أن تشجع البحث عن توافق الآراء والتسوية، وتجنب الأغلبية.

فقط 52٪ من الناخبين البريطانيين صوتوا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي في يونيو/ حزيران الماضي. لكن ما صوتوا من أجله لا يزال غامضا. لكنهم عبروا عن رأيهم كما تقول ماي والمؤيدون للبريكست. فهذا هو الحل. و يصرحون، لنتجاهل ما يقوله "أعداء الشعب"، أي القضاة في محاكمنا المستقلة. لنُسكت أي وجهة نظر تستفسر عن ما يحدث في الواقع. لنهاجم سمعة أي شخص - مدير أعمال، سياسي، أو زعيم المجتمع المدني - يفضل عضوية الاتحاد الأوروبي أو مناقشة مفتوحة حول ذلك. ولنُخبر هيئة الإذاعة البريطانية أنها يجب أن تقبل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بحماسة أو مواجهة غضب شعبي. وقبل كل شيء، يجب إغلاق النقاش البرلماني - كل ذلك باسم "استعادة السيادة البرلمانية".

فهذا الطلاق لا يسير على ما يرام. وقد بدأت الإجراءات للتو. هناك طريق طويل أمامنا. الله وحده يعلم نوع البلد الذي سنصبح فيه في نهاية المطاف. لكن، كما يحدث في أي طلاق، يمكننا نحن واثقون إلى حد ما أن الأطفال هم من سيعانون أكثر من غيرهم.