33

بريكست وترامب والمحرومون بسبب العولمة

كامبريدج- يوجد حدثان سياسيان يحظيان بالإهتمام العالمي هذه الإيام- تصويت المملكة المتحدة للخروج من الإتحاد الأوروبي وحملة دونالد ترامب الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية – علما أن هناك الكثير من الأشياء المشتركة بينهما فأكثر من نصف الناخبين البريطانيين بقليل إختاروا "بريكست " أي الخروج من الإتحاد الأوروبي وهي نتيجة ألقت بضلال ثقيلة على النظام السياسي في بريطانيا والآفاق الإقتصادية فيها وربما فهم التشابه بين الحملتين سيساعد الناخبين الإمريكيين على تجنب إتباع مسار مماثل في نوفمبر.

إن أحد أوجه الشبه هو إنه تم الإستخفاف بكلتا الحملتين وخاصة من قبل الخبراء والشخصيات العامة وكما تم إستبعاد إحتمالية خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي في البداية فإن قلة من النخب السياسية من الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء أخذوا مسعى ترامب للفوز بالترشيح الجمهوري على محمل الجد.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

إن من أوجه الشبه الأخرى هي إن كلتا الحملتين إستندت إلى حد كبير على وعود سخيفة وغير قابلة للتصديق ففي بريطانيا طمأن القائمون على حملة "الخروج" الناخبين بإن بريطانيا يمكن أن تحافظ على حرية الوصول للسوق الموحدة بعد الإنسحاب من الإتحاد الأوروبي وفي الوقت نفسه الحد من دخول العمال الأوروبيين لبريطانيا كما أعلنوا أيضا أن 350 مليون جنيه إسترليني (465 مليون دولار أمريكي ) التي من المفترض أنه يتم إرسالها إلى الإتحاد الأوروبي كل أسبوع سيعاد تخصيصها لمؤسسة الصحة الوطنية التي تعاني من نقص الأموال .

لقد بدأ قادة حملة "الخروج" بالتراجع عن أقوالهم بعد ساعات فقط من ظهور نتيجة الإستفتاء مما أغضب العديد من الناخبين وخاصة أولئك الذين دعموا حملة الخروج بسبب رغبتهم بالحد من الهجرة . إن وعود ترامب غير القابلة للتصديق بما في ذلك الوعود ببناء جدار بين الولايات المتحدة الإمريكية والمكسيك وإعادة الوظائف التصنيعية من خارج البلاد تبدو ذات مصداقية للعديد من الناخبين .

إن أوجه الشبه تلك تشير إلى نتيجة مفادها وهي أن العديد من الناخبين الذين ينتمون للطبقة العاملة والطبقة المتوسطة والذين يشعرون أنه تم تهميشهم بسبب العولمة هم أكثر غضبا من ما كان يعتقده قادة السلطة ولم يعد من الممكن تجاهلهم وعوضا عن ذلك يتوجب على هولاء القادة إيجاد وسيلة للتعامل مع مخاوفهم .

إن هناك رابحين وخاسرين من جراء العولمة ولكن أحد الإقتراحات الأساسية في الإقتصاد يشير إلى أنه عندما يتاجر الأفراد بحرية فإن حجم الكعكة الإقتصادية سيزيد بشكل كاف لدرجة أنه بإستطاعة الرابحين نظريا تعويض الخاسرين مما يترك الجميع في وضع أفضل .

إن المتشككين في العولمة محقون بإنه عمليا فإن التعويض عادة ما يبقى إفتراضيا ولكن الإقتراح بإنه يتوجب علينا محاولة التراجع عن العولمة قد يتسبب بالمشاكل لسبب بسيط وهو أنه لا يمكن التراجع عن العولمة وأية محاولة لإعادة المارد إلى الزجاجة قد لا تشعل حروبا تجارية فحسب مع عواقب خطيرة على النمو الإقتصادي ،ولكنها ستفشل كذلك في تخفيض التجارة لمستويات قبل خمسين سنة ولا يوجد قائد وطني بإمكانه إعادة  التوظيف في بعض الصناعات مثل صناعة الفولاذ إلى ما كانت عليه سنة 1966 .

لحسن الحظ هناك خيار أفضل . إن بإمكاننا أن نتعامل مع العولمة كأمر مفروغ منه ونتبنى إجراءات للمساعدة في تعويض أولئك الذين يمكن أن يخسروا بطبيعة الحال .

أما في الولايات المتحدة الأمريكية فإن الإجراءات التي قد تساعد في تحقيق ذلك تتضمن برنامج مساعدة التعديل التجاري وهو برنامج يستهدف على وجه التحديد مساعدة أولئك الين فقدوا وظائفهم بسبب التجارة. إن من البرامج الأكثر أهمية –والتي قد تساعد أولئك الذين تخلفوا عن ركب التجارة والتقنية أو أي شيء آخر- برامج تتضمن توسيع الإئتمان على ضريبة الدخل المكتسب والتأمين الصحي .

إن الديمقراطيين بما في ذلك الرئيس باراك أوباما وهيلاري كلينتون المرشحة الديمقراطية المفترضة لخلافته يؤيدون بشكل عام تلك السياسات ولكن الجمهوريون يعارضونها ويبدو من المرجح أن ترامب سيرفض مثل تلك الجهود كذلك على الرغم من إدعاءه بإنه منقذ الطبقة العاملة .

إن صعود نجم ترامب يعكس المدى الذي وصل إليه الإستقطاب السياسي في الولايات المتحدة الإمريكية خلال السنوات الثماني الماضية وبينما تمت الإطاحة بالمعتدلين السياسيين  فإن الجمود السياسي أصبح أكثر سوءا حيث تمت إعاقة المبادرات الرئاسية بشكل روتيني من قبل الجمهوريين في الكونجرس وحتى عندما كانت تلك الإقتراحات تتوافق مع الأفكار الجمهورية وهذا لا يبشر بالخير للخاسرين من العولمة فهم بحاجة لقادة – من كلا الحزبين في الكونجرس وفي الفرع التنفيذي – يعملون معا لحماية مصالحم.

وحتى وقت قريب يبدو أن النظام الإنتخابي البريطاني كان يمثل نهجا متوازنا بشكل يدعو للإعجاب فلقد كان الحزبان الرئيسيان بشكل عام ينشطان تحت قيادة مؤهلة ومتماسكة ويمثلان مواقف في السياسات تعتبر محددة نسبيا – يمين الوسط بالنسبة للمحافظين ويسار الوسط بالنسبة للعمال- وفي ظل تلك البيئة فإنه يمكن للناخبين الإختيار بناءا على القضايا المطروحة وبموجب النظام البرلماني فإنه يمكن لرؤساء الوزارات المنتصرون العمل من أجل تنفيذ السياسات التي بنوا حملتهم الإنتخابية على أساسها.

لكن حتى قادة بريطانيا "المؤهلون والإكفاء" أحيانا يتخذون قرارات كارثية وتفتقر للحكمة فمن قرار مارغريت ثاتشر بفرض ضريبة الرأس إلى دعم توني بلير لغزو العراق بقيادة أمريكا وقرار ديفيد كاميرون لعقد إستفتاء بريكست علما أن مثل تلك القرارات قد قوضت النظام البريطاني .

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

إن الذي بقي الآن بعد كاميرون هو الفوضى فبريطانيا بدون قائد والمجموعة الجديدة من السياسيين يفتقرون للوضوح والتماسك وعندما تجرى الإنتخابات القادمة فإن من الممكن أن يطلب من الناخبين الإختيار بين أحزاب لا تتوافق بأية طريقة واضحة مع قرارات السياسة ذات العلاقة التي يجب أن تتخذها بريطانيا وخاصة فيما إذا كانت بريطانيا ستسعى للتفاوض على إرتباط وثيق نسبيا مع الإتحاد الأوروبي أو الإنفصال الكامل .

وفي هذا السياق فإن الناخبين الأمريكيين يمكن أن يكونوا أفضل حالا من نظراءهم البريطانيين فعلى الرغم من أن ظهور ترامب يوحي بإن النظام السياسي الأمريكي قد تدهور بشكل ملحوظ أيضا فإن الديمقراطييين ما زالوا يفضلون سياسات مثل تأمين الأجور والتأمين الصحي الشامل ولا يزال الجمهوريون يعترضون عليها وعليه فإن الناخبين في أمريكا في نوفمبر سيختارون فيما يتعلق بأحد القضايا الرئيسية التي تشغل بالهم وهي كالآتي : هل سيتم التعامل مع واقع العولمة عن طريق مساعدة الذين تخلفوا عن الركب أو محاربة أعداء وهميين كما فعل البريطانيون الذين صوتوا للخروج من الإتحاد الأوروبي.