8

أسباب وعواقب الخروج البريطاني من الإتحاد الأوروبي

مدريد- إن إحتمالية خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي هي إحتمالية قائمة ويبدو بشكل متزايد بإن إجتماع المجلس الأوروبي القادم سوف يتمخض عنه صفقة تتعلق بظروف عضوية المملكة المتحدة في الإتحاد الأوروبي وهي صفقة سوف يتم عرضها على الناخبين البريطانيين في إستفتاء مبكر يمكن أن يجرى هذا الصيف.

ولكن كما يندفع كل شيء إلى الأمام يتوجب على بريطانيا والإتحاد الأوروبي إلتقاط الأنفاس والتفكير بعمق فعلى الرغم من التطمينات من كلا الجانبين ، لا أحد يعرف ماذا سيحصل في الإستفتاء ناهيك عن كيفية أدارة المرحلة اللاحقة لو قرر الناخبون البريطانيون الخروج من الإتحاد الأوروبي.

إن هناك غموض عادة ما يحيط بالاستفتاءات فالتجارب السابقة علمتنا أنه عندما يتخذ الناخبون مثل تلك القرارات فإنه نادرا ما يركزون على القضية المطروحة ففي الإستفتاءات المتعلقة بمسودة دستور الإتحاد الأوروبي سنة 2005 على سبيل المثال ركز الهولنديون على اليورو بينما كان الفرنسيون يشعرون بالقلق بإن السباكين البولنديين سيأخذون وظائفهم .

إن الدلائل تشير أنه لغاية الآن فإن الإستفتاء البريطاني القادم سوف يتبع النمط نفسه حيث سوف يركز الناخبون بشكل أكبر على الأفكار المبسطة والأحكام المسبقة والمشاعر عوضا عن التركيز على الإعتبارات العملية علما أن المعسكر المضاد للإتحاد الأوروبي كان هو المعسكر الأكثر عاطفية والإكثر إلهابا للمشاعر .

من وجهة النظر الأوروبية فإن هذا يثير مشاعر القلق العميق فمن المعروف أن الخروج البريطاني سوف يوجه ضربة قاصمة للتكامل الأوروبي وربما يتسبب في تفكيك عملية هشة بالفعل ولكن يتوجب على البريطانيين أن يشعروا بالقلق كذلك فيما يتعلق بعواقب الإنسحاب وذلك نظرا للمعلومات القليلة المتوفرة عن ماذا سينطوي عليه ذلك .

إن المشكلة أن معظم البريطانيين لا يعرفون الكثير عن الإضطراب الذي سيحدث بعد الخروج البريطاني فبالإضافة إلى التأثير على حركة الإستقلال الأسكتلندية وإتفاقية الجمعة العظيمة في ايرلندا "والعلاقة الخاصة" بين بريطانيا والولايات المتحدة الإمريكية هناك إسئلة مهم تتعلق بمستقبل العلاقات البريطانية مع الإتحاد الأوروبي . إن العديد من أنصار الإنسحاب يختارون بإنتقائية السياسات والإنظمة مثل إحكام إتفاقيات التجارة الحرة للإتحاد الأوروبي مع كندا وسنغافورة من أجل عمل تصور لما قد تبدو عليه الحياة بالنسبة لبريطانيا بعد الخروج من أوروبا فهم يريدون أن يؤمن البري��انيون ليس فقط بإن المنطقة المالية في لندن سوف تبقى المركز المالي الأفضل في أوروبا بل أيضا بإن بريطانيا سوف تحتفظ بحرية الوصول للسوق المشتركة الأوروبية وحتى بدون حرية حركة العمالة .

إن هذا وهم كبير فعلى الرغم من أن المملكة المتحدة سوف تحتفظ بمكانتها الدولية فيما يتعلق بالسياسة الدفاعية والخارجية ،إلا أن نفوذها فيما يتعلق بالتفاوض على إتفاقيات التجارة والإستثمار –بما في ذلك مع الأتحاد الأوروبي نفسه والذي يشكل نصف التجارة البريطانية-سوف يضعف بشكل كبير والدليل على ذلك تجارب دول غير أعضاء في الإتحاد الأوروبي مثل سويسرا والنرويج وفي واقع الأمر فإن قادة الإتحاد الأوروبي لا يشعرون بالسعادة لأن لسويسرا حرية الوصول للسوق المشتركة وفكرة أنهم سوف يعطون المملكة المتحدة ذلك وخاصة بعد صفعهم على وجوههم هو طرح غير مقنع .

البعض يدعي بإن الخروج البريطاني سوف يشبه خروج جرينلاند الذي تم التفاوض عليه بسهولة سنة 1985 من السوق الإقتصادية الأوروبية  وهو الإنسحاب الوحيد الذي حصل لغاية الآن ولكن الظروف مختلفة تماما فالسوق الإقتصادية الأوروبية المحدودة قبل ثلاثين عاما لا تقارن بالإتحاد الأوروبي القوي اليوم كما أن جرينلاند لا تقارن بالحجم الإقتصادي أو الأهمية السياسية للمملكة المتحدة.

بالإضافة إلى ذلك لقد تم التخفيف من آثار إنسحاب جرينلاند وذلك بسبب روابطها الدستورية مع الدنمارك والتي إستمرت في تمثيل مصالحها في الهيئات الأوروبية ونظرا لعدم وجود راعي مماثل لتمهيد الطريق بالنسبة للمملكة المتحدة فإن المفاوضات التي ستلي التصويت على الإنسحاب سوف تكون معقدة وصعبة ويمكن أن تستغرق سنوات عديدة.

إن كل هذا الغموض سيلقي بظلاله على الشركات والمواطنين العاديين فمن سيريد الإلتزام بإستثمار طويل المدى في المملكة المتحدة بدون أن يعرف ما هي الترتيبات القانونية التي ستكون موجودة ؟

ولتجنب هذه النتيجة يتوجب على المجلس الأوروبي أن يؤكد على إن الآفاق المستقبلية للمملكة المتحدة سوف تكون أكثر إستقرارا بكثير كعضوة في الإتحاد الأوروبي بينما يظهر المرونة الأساسية لإوروبا وبالفعل تم السماح لبريطانيا بعدم الإنضمام لإتفاقية الشنجن واليورو والشؤون القضائية والداخلية والآن أظهر الإتحاد الأوروبي رغبته في السعي لتسويات وتفاهمات معقولة فيما يتعلق بمطالبات رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون.

سوف يكون من السهل نسبيا تحقيق إجماع في بعض المجالات مثل تعزيز التنافسية وتبسيط الإجراءات ومن الممكن أيضا الإتفاق على إعطاء البرلمانات الوطنية دورا أكبر في توجيه تشريعات الإتحاد الأوروبي على الرغم من أن كاميرون ذهب بعيدا جدا عندما أقترح السماح للبرلمانات بتوجيه "بطاقة حمراء" لقانون الإتحاد الأوروبي.

أما عن مطالبة كاميرون بإنهاء التزام بريطانيا بموجب المعاهدة بالعمل من أجل تحقيق "إتحاد أوثق من أي وقت مضى " فإن مفتاح الحل من أجل التوصل لحل وسط يمكن أن يكون بسيطا فعوضا عن التحرك  من أجل دمج الدول الأعضاء بشكل أعمق ، ربما يتوجب على الإتحاد الأوروبي تحويل تركيزه على توحيد الشعوب الأوروبية وتوثيق العلاقات بينها .

إن القضية الأخيرة يمكن أن تكون الأصعب وهي الهجرة والرعاية الإجتماعية فكاميرون قد طالب بتجميد منح الإعانات العمالية وإعانات الإطفال للمهاجرين من الإتحاد الأوروبي للمملكة المتحدة لمدة أربع سنوات وهي مقاربة يتفق الكثيرون بإنها تنطوي على التمييز. إن أحد التحولات والتي قد تمهد الطريق للتوصل لحل وسط فيما يتعلق بهذا الموضوع المتنازع عليه بشكل كبير هو أن يكون هناك فصل واضح بين المناقشات المتعلقة بهذا الموضوع والمناقشات والجدل القائم فيما يتعلق بإزمة اللاجئين الحالية فيجب أن يبقى التركيز على البولنديين واللاتفيين وليس السوريين.

لقد كانت مقولة ونستون تشرشيل الشهيرة سنة 1953 " نحن مع أوروبا ولكن لسنا جزءا منها ونحن مرتبطون بها ولكن بدون أن يؤثر ذلك علينا " ولو إستطاع المجلس الأوروبي القادم التوصل لتسوية تعكس هذه المشاعر فإن الخروج البريطاني يمكن تجنبه وهذا يصب في مصلحة الجميع ولكن مع وجود إستفتاء يلوح في الأفق فإنه حتى وجود صفقة جيدة قد لا يكون كافيا فمع إستمرار هيمنة الوهم والتلاعب على النقاشات البريطاني فإنه يمكن أن تكون هناك مفاجأة واقعية في إنتظار بريطانيا- وأوروبا – .