Two men dressed as customs officers take part in a protest Charles McQuillan/Getty Images

بريكست والهاويه

باريس- انا عندي صديق بريطاني لا يسافر مطلقا بدون جواز سفره الايرلندي أو على الاقل منذ يونيو 2016 عندما قامت المملكة المتحدة بالتصويت على الخروج من الإتحاد الأوروبي حيث كان يقول " على سبيل الإحتياط ، فأنت لا تعلم مطلقا ما قد يحصل ".

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

لقد أصبح الجواز الإيرلندي منذ بريكست مثل بوليصة التأمين ضد اللاعقلانيه ويمثل بالنسبة لصديقي على أقل تقدير إمكانية الإحتفاظ بهويته الأوروبيه وهو يعتقد أنه لو ساءت الأمور في لندن فإن دبلن ستكون البديل.

إن التحوط قد أصبح النهج المفضل لإولئك الذين يسعون الى إيجاد معنى للطلاق البريطاني من الإتحاد الأوروبي . إن الإتفاقية التي تم التوصل اليها هذا الشهر بين مفاوضي المملكة المتحدة والإتحاد الأوروبي قد زادت من حالة القلق تلك فمن جهه فإن هذا "الإختراق" يؤذن ببدء المحادثات فيما يتعلق بمفاوضات العلاقات لمرحلة ما بعد البريكست مما يجعل الإنفصال يبدو حتميا ومن جهة أخرى هناك إعتقاد أنه لا يوجد شيء قد تم إعتماده بعد وأن الحل النهائي سيأتي فقط بعد تسويه العديد من القضايا الشائكه.

إن الحدود الفعليه بين إيرلندا الشماليه التي هي جزء من المملكه المتحده وإيرلندا التي ستبقى ضمن الإتحاد الأوروبي ما تزال من أكثر المشاكل تعقيدا وتلك القضيه قد تصبح قضية القرن الحادي والعشرين على غرار مسألة شليسفيغ –هولشتاين بين الدبلوماسيين الأوروبيين في القرن التاسع عشر –  أي كابوس متكرر .

لكن الحدود الإيرلنديه هي ليست التحدي الوحيد االذي يواجه محادثات بريكست فهناك العديد من القضايا من التجارة الى السياسة الخارجيه سوف تكون بمثابة إختبار صعب للمفاوضات.

إن من الواضح ان صديقي تتنازعه مشاعر الأمل والخوف . إن من المفارقات أن تفاؤله ينبع من الإعتقاد بإن تهديد الفوضى سيدفع البريطانيين لإعادة النظر في خيارهم وأن تعود البراجماتيه البريطانيه وتصبح هي النهج السائد وحتى إحتمالية إجراء إستفتاء ثاني .

إلى جانب الأمل في قوة الفوضى من أجل تعديل الأمور فإن معسكر البقاء في الإتحاد الأوروبي يراهن على أن مؤيدي الخروج من الإتحاد الأوروبي سيدركون في نهاية المطاف حماقة بريكست "غير متشدد" أي مع الإبقاء على روابط مع الإتحاد الأوروبي فأي شي أقل من الإنفصال الكامل عن الإتحاد الأوروبي سيشبه الوضع التي وجدت فرنسا نفسها فيه بعد الإنسحاب من القيادة العسكريه للناتو سنة 1966 فحتى قامت فرنسا بإلغاء ذلك القرار سنة 2009 بقيت بطريقة أو بأخرى ملزمه بقيود الأعضاء الآخرين للناتو ولكنها إفتقدت للقدره على إبداء الرأي في أي قرارات سياسيه أو عسكريه.

اليوم يبدو أن بريطانيا تتبع المسار نفسه فبريكست غير متشدد لن يخفف بالضروره الألم الإقتصادي للطلاق ولكن من المؤكد أنه سيكون محبطا من الناحيه السياسيه للمؤيدين والمعارضين على حد سواء وبعد ان تم الطلب من الناخبين التعبير عن رأيهم سيجد هولاء أن أي شيء أقل من بريكست متشدد أي خروج كامل من الإتحاد الأوروبي سيكون غير شرعي ويجعل المملكه المتحده عالقه بين خيارين .

إن الجدل المتعلق ببريكست يعكس أحد المعضلات الرئيسيه للديمقراطيه فما الذي يتوجب عمله عندما يكون هناك إنقسام كبير في البلاد فيما يتعلق بمسألة مهمه للغاية وحتى وجوديه؟

إن الإنظمه السلطويه لا تواجه هذا المأزق أو على الأقل ليس ظاهريا فالقياده هي التي تقرر وبغض النظر عن ما إذا كانت السياسه طائشه لإولئك الذين لديهم حكومات منتخبه أم لا فإن الشعوب في الأنظمه غير الليبراليه إما أن تلتزم بالسلطه أو تحشد الصفوف من أجل كسر تلك السلطه .

أما في بريطانيا فلقد صوتت أغلبية بسيطه لصالح بريكست مما أغرق البلاد في حالة من الإرتباك والتي ستستمر بغض النظر عن نتيجة المفاوضات مع الإتحاد الأوروبي وفي وقت سابق من هذا الشهر وجدت دراسه أجرتها مؤسسة يوجوف أن المواطنيين البريطانيين ما زالوا منقسمين فيما يتعلق ببريكست كما كانوا عند التصويت في العام الماضي وكأن الجدل قد أصابته وبكل بساطه حاله من الجمود.

إن هذا يعود جزئيا لإن الأراء المتعلقة بالتكامل الأوروبي مرتبطه بالتعليم والمكانه الإجتماعيه والعمر والموقع الجغرافي وبغض النظر عن مدى براعة المفاوضين البريطانيين ومفاوضي الإتحاد الأوروبي فإنه لا توجد تسويه قد تؤدي إلى جسر الهوة بشكل كامل وعليه فإن الهدف يجب أن لا يكون إيجاد الحلول الأفضل بل أقلها سوءا وطبعا لا نزال لا نعرف ماهية تلك الحلول ولكن على أقل تقدير يجب أن يشعر مؤيدو الخروج البريطاني من الإتحاد الأوروبي أنه قد تم إحترام تصويتهم بينما هناك حاجة لإقناع أنصار البقاء في الإتحاد الأوروبي بإنه قد تم تجنب الأسوأ.

إلى الآن يبدو أن بريطانيا قد قبلت بإن مطالبات الإتحاد الأوروبي ليست غير منطقيه أو غير مقبوله .سوف تدفع المملكه المتحده مبلغ يقدر بحوالي 40 مليار جنيه استرليني (53 مليار دولار أمريكي) من أجل طلاقها من أوروبا وفي المقابل ستمنح المملكه المتحده عامين من اجل تفكيك الخيوط العديده التي تربطها بالقارة.

بالنسبة لإولئك الذين يضعون ثقتهم في الفوضى فإن من الصعب رؤية كيف سيكون ذلك من العوامل المساعده حيث لا يوجد حزب لإولئك النادمين على بريكست بحيث يمكن أن يدفعوا بإتجاه إلغاءها كما لم تبرز شخصية سياسية قويه يمكن أن تقود مثل هذا الائتلاف فرئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير كان من الممكن أن ينجح في ذلك في وقت سابق من مسيرته المهنيه ولكن بعد قراره الكارثي لدعم حرب العراق فإن صورته أصبحت في حاله يرثى لها.

إذن على الرغم من التقدم والإلتزامات الأخيره من أجل إحراز تقدم في محادثات بريكست فإنه لا يوجد شيء مؤكد بالنسبه لهذه العمليه بإستثناء إنها قد تصبح أكثر فوضويه بينما تدق عقارب الساعه معلنة إقتراب نهاية فترة السنتين وهذه قد تنذر بإخبار سيئه لبريطانيا وأوروبا وللديمقراطيه ومرة أخرى وكما يقول صديقي صاحب جواز السفر الإيرلندي فإنت لا تعرف ما الذي قد يحصل.

http://prosyn.org/bY9M6fU/ar;