10

إنذار الخروج البريطاني

لندن ــ باعتباري أوروبيا متحمسا لأوروبا، روعتني نتيجة الاستفتاء في بريطانيا على عضوية الاتحاد الأوروبي. ويكاد يكون من المؤكد أن هذه النتيجة سوف تُفضي إلى خروجنا من الاتحاد الأوروبي. ولكني كنت لسنوات طويلة أخشى أن تنتج الهجرة الواسعة النطاق إلى المملكة المتحدة ردة فعل شعبوية ضارة.

يتعين على النخب العالمية الآن أن تتعلم من درس "الخروج البريطاني" الحاسم وأن تتصرف وفقا له. فخلافا للافتراضات العفوية، لا تشكل عولمة رأس المال والتجارة وتدفقات الهجرة تطورا "مفيدا للجميع". وإذا لم نعالج آثارها السلبية فلن يكون الخروج البريطاني آخر عواقبها ــ أو أسوأها.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

في أوائل تسعينيات القرن العشرين، كان صافي الهجرة إلى بريطانيا قريبا من الصِفر. وبدأت الزيادة في وقت لاحق من ذلك العقد، ثم تنامت بسرعة بعد انضمام ثماني دول شيوعية سابقة إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2004، عندما تنازلت بريطانيا ــ على خلاف فرنسا وألمانيا على سبيل المثال ــ عن حقها في الاستفادة من مهلة مدتها سبع سنوات قبل السماح بحرية انتقال الناس من الدول الأعضاء الجديدة. وفي العام الماضي، بلغ صافي الهجرة 333 ألف مهاجر، وارتفع إجمالي عدد السكان بنحو 500 ألف نسمة. وتشير توقعات جديرة بالثقة إلى أن عدد سكان المملكة المتحدة، الذي يبلغ 64 مليون نسمة الآن، قد يتجاوز 80 مليون نسمة بحلول منتصف القرن.

مما لا شك فيه أن الهجرة تجلب  العديد من الفوائد ــ يرجع جزء من الأسباب وراء روعة مدينة لندن إلى كونها بوتقة صهر عالمية لثقافات مختلفة. ولكن كما زعمت في عام 2008 لجنة الشؤون الاقتصادية التابعة لمجلس اللوردات، والتي كنت أحد أعضائها، جَلَبَت الهجرة أضرارا ومساوئ كبيرة وواسعة النطاق على كثير من الناس.

يشكل التأثير الدقيق للهجرة على الأجور موضوع مناقشة محتدمة بين خبراء الاقتصاد، ولكن أي اقتصاد لا يستطيع أن يواجه ارتفاعا مفاجئا في المعروض من العمالة دون أن تنشأ بعض الآثار السلبية التي تلحق الضرر على الأقل ببعض الطوائف من العمال "الوطنيين". وأي ارتفاع مفاجئ في عدد السكان، والذي يتركز غالبا في مواقع بعينها، من شأنه أيضا أن يفضي إلى زيادة مفرطة في الطلب على خدمات عامة أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية، ما لم يعوض عنه ارتفاع جيد التخطيط والتمويل في الاستثمار العام في المملكة المتحدة، وهو ما لم يحدث.

في إنجلترا ــ التي تنافس هولندا باعتبارها المكان الأعلى كثافة سكانية في أوروبا ــ يخشى كثيرون أن يُفضي المزيد من النمو السكاني إلى فرض ضغوط غير مرحب بها على الريف المحبوب كثيرا. وقد استفز هذا معارضة محلية شديدة لمشاريع تطوير البنية الأساسية الجديدة الكبرى، والنتيجة الحتمية لهذا المعارضة التأخير بلا نهاية أو ارتفاع التكلفة أو الاستياء الدائم.

ولكل هذه الأسباب، كان من المحتم أن تنتج زيادة أعداد المهاجرين إلى المملكة المتحدة ردة فعل سياسية. وقد عكست ردة الفعل هذه جزئيا كراهية الأجانب التي أججتها المبالغات المتعمدة: على سبيل المثال، اقترح أنصار حملة "الخروج" كاذبين أن تركيا، التي تشهد زيادة سكانية كبيرة وسريعة، سوف تدخل الاتحاد الأوروبي قريبا من دون موافقة بريطانيا. ولكن الأكاذيب كانت فعّالة لأنها كانت مبنية على أساس من الحقيقية، ولأن رفض الاعتراف بهذه الحقيقة لم يسفر إلا عن اشتداد ردة الفعل الشعبوية.

في مواجهة المخاوف الناشئة حول الهجرة، استجاب ساسة المؤسسة وخبراء الاقتصاد الأكاديميون إما برفض تلك المخاوف باعتبارها ضربا من العنصرية غير العملية، أو بإنكار وجود تلك الآثار السلبية؛ وفي الحالتين، كان الملايين من المواطنين يعانون بوضوح من وعي زائف. ولكن إذا كان بعض الناس على الأقل يعانون من مشاكل حقيقية، فإن المحاضرات عن فوائد الهجرة لن تسفر إلا عن تأجيج غضبهم.

يعكس فشل حملة "البقاء" في المملكة المتحدة في دحض المخاوف بشأن الهجرة العجز الأوسع من قِبَل النخبة العالمية عن إقناع الناس بأن حرية انتقال رأس المال والسلع والبشر تصب في الصالح العام للجميع. والواقع أنها ليست كذلك، وينبئنا خبراء الاقتصاد المخضرمين بالسبب.

وفقا للنظرية الاقتصادية، من الممكن أن تعمل كل من هذه الحريات الثلاث على زيادة حجم الكعكة العالمية. ولكن النظرية الاقتصادية تنبئنا أيضا عن حتمية وجود خاسرين إلى جانب الفائزين، وعلى هذا فلن يكون التحرير والعولمة أمرا مفيدا للجميع إلا إذا عمل الفائزون على تعويض الخاسرين. وفي مختلف أنحاء العالم، كانت التعويضات ضئيلة للغاية.

في الولايات المتحدة، ربما يتمثل التحدي الرئيسي في المستقبل في تأثير التجارة، وليس الهجرة، لأن عصر التدفقات الواسعة النطاق من أميركا اللاتينية ربما يبلغ منتهاه قريبا، مع تسبب انخفاض معدلات الخصوبة في تثبيت استقرار السكان في مختلف أنحاء المنطقة. ومن عجيب المفارقات أن يتمكن المرشح الرئاسي الأميركي دونالد ترامب من حشد الدعم لخطته السخيفة التي تقضي ببناء جدار على الحدود مع المكسيك في نفس اللحظة حيث تحول صافي الهجرة من المكسيك إلى المنطقة السلبية.

ولكن حجته التي تزعم أن العديد من العمال في الولايات المتحدة عانوا من التجارة الحرة ــ وربما تتفاقم معاناتهم ــ ضربت وترا حساسا، لأنها صحيحة جزئيا. وما لم يتمكن النظام السياسي في الولايات المتحدة من إنتاج استجابات سياسية فعّالة لهذا الواقع، فيبدو من المرجح أن تتعاظم قوة الرفض الشعبوي للتجارة الحرة، ع اقتران ذلك بالعداء تجاه المهاجرين.

وفي أوروبا، على النقيض من ذلك، يتمثل التحدي الكبير في المستقبل في الهجرة، ليس من داخل الاتحاد الأوروبي في الأغلب، بل من خارجه. وفقا لبيانات الأمم المتحدة، قد يرتفع عدد سكان أفريقيا من 1.2 مليار نسمة اليوم إلى أكثر من 4.3 مليار نسمة بحلول عام 2100. وما لم تكن هذه الزيادة مصحوبة بارتفاع مستويات الرخاء والازدهار والتوسع السريع في توفير فرص العمل، فسوف تصبح تدفقات الهجرة الكبيرة والمستمرة عبر البحر الأبيض المتوسط نتيجة محتومة.

وبالتالي فإن أوروبا ككل تواجه تحديين هائلين: المساعدة في تعزيز التنمية الاقتصادية في أفريقيا والشرق الأوسط، والتعامل على أفضل نحو ممكن مع تدفقات الهجرة الكبيرة التي من المحتم أن تحدث، مع كل ما تحمله معها من عواقب وخيمة يتحملها بعض المواطنين.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

الواقع أن التصدي لهذه التحديات يتطلب استجابة أوروبية منسقة، ويؤسفني كثيرا أن تلعب بريطانيا الآن دورا متضائلا إلى حد كبير في تشكيل وصياغة المساعي الأوروبية في هذا الصدد. وإذا كان لهذه النتيجة المخيبة للآمال أن تفضي إلى أي خير، فهي أن نداء الإيقاظ والتنبيه الذي صاحبها مسموع بوضوح، وهو ينبهنا إلى سلبيات العولمة. وما لم نعترف بهذه السلبيات ونتصدى لمعالجتها فإن ردة الفعل العنيفة التي دَفَعَت الخروج البريطاني لن تتوقف عن النمو.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali