Niklas Halle'n/ Stringer/ Getty Images

تأثير الخروج البريطاني على الاقتصاد العالمي

لندن ــ يبين لنا سلوك الأسواق المالية المحموم قبيل استفتاء المملكة المتحدة في الثالث والعشرين من يونيو/حزيران حول بقائها في الاتحاد الأوروبي أو خروجها منه أن النتيجة سوف تؤثر على الأوضاع الاقتصادية والسياسية في مختلف أنحاء العالم بدرجة أعمق كثيرا مما قد توحي به حصة بريطانيا في الناتج المحلي الإجمالي العالمي (2.4%). وهناك ثلاثة أسباب وراء هذا التأثير الهائل.

أولا، يشكل الاستفتاء على "خروج بريطانيا" جزءا من ظاهرة عالمية: الثورات الشعبوية ضد الأحزاب السياسية الراسخة، من قِبَل الناخبين الأكبر سنا أو الأكثر فقرا أو الأقل تعليما غالبا والغاضبين بالقدر الكافي للإقدام على هدم المؤسسات القائمة وتحدي الساسة وخبراء الاقتصاد "المنتمين إلى المؤسسة". والواقع أن التنميط الديموغرافي للناخبين المحتملين المؤيدين للخروج البريطاني يشبه إلى حد مذهل نظيره الذي يجمع بين مؤيدي دونالد ترامب في أميركا وأنصار الجبهة الوطنية في فرنسا.

تشير استطلاعات الرأي إلى أن الناخبين البريطانيين يؤيدون حملة "الخروج" بهامش واسع، 65% في مقابل 35%، إذا كانوا لم يكملوا دراستهم الثانوية أو كانوا فوق الستين، أو كانوا يعملون في وظائف عمالية. وعلى النقيض من هذا، يعتزم الناخبون من خريجي الجامعات والذين تقل أعمارهم عن أربعين عاما والمنتمين إلى الفئات المهنية المكتبية التصويت لصالح "البقاء" بهامش مشابه، 60% إلى 40% وأعلى.

في بريطانيا، والولايات المتحدة، وألمانيا، لا تتغذى الثورات الشعبوية على مظالم ومشاعر قومية متصورة مماثلة فحسب، بل وتحدث أيضا في ظل ظروف اقتصادية مشابهة. فقد عادت الدول الثلاث إلى التشغيل الكامل للعمالة بدرجة أو أخرى، في ظل معدلات بطالة تدور حول 5%. ولكن العديد من الوظائف المنشأة تدفع أجورا منخفضة، ومؤخرا بدأ المهاجرون يحلون محل المصرفيين ككباش فداء لكل المشاكل الاجتماعية.

وتتضح درجة عدم الثقة في كبار رجال الأعمال والساسة وخبراء الاقتصاد المنتمين إلى التيار الرئيسي في مدى تجاهل الناخبين لتحذيراتهم بتجنب تعريض الاستعادة التدريجية للرخاء للخطر من خلال الإخلال بالوضع الراهن. ففي بريطانيا، وبعد ثلاثة أشهر من المناقشة حول الخروج، يوافق 37% من الناخبين فقط على أن بريطانيا سوف تكون أسوأ حالا على المستوى الاقتصادي إذا انسحبت من الاتحاد الأوروبي ــ بعد أن كانت النسبة 38% قبل عام.

بعبارة أخرى، كانت كل التقارير الضخمة ــ الصادرة عن صندوق النقد الدولي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والبنك الدولي، والحكومة البريطانية وبنك إنجلترا ــ التي أجمعت على التحذير من خسائر كبيرة نتيجة لخروج بريطانيا، موضع تجاهل. وبدلا من محاولة دحض تحذيرات الخبراء بالاستعانة بتحليلات مفصلة، جاءت ردود بوريس جونسون زعيم حملة الخروج عامرة بالتهديد والوعيد والخطابة المعادية للسياسة على غرار خطب ترامب: "من ذا الذي يشعر بتخوف طفيف من الخروج؟ صدقوني، سوف تكون الأمور على خير ما يرام. بعبارة أخرى، كان ما يسمى الخبراء على خطأ في الماضي، وهم مخطئون الآن".

The World’s Opinion Page

Help support Project Syndicate’s mission

subscribe now

كان هذا النوع من الهجوم المباشر على النخب السياسية ناجحا بشكل مذهل في بريطانيا، وخاصة في ضوء استطلاع الرأي الأخير بشأن الخروج. ولكن لن يتسنى لنا أن نعرف ما إذا كانت الآراء الواردة في استطلاعات الرأي توقعت السلوك التصويتي الفِعلي حقا إلا بعد إحصاء الأصوات.

وهذا هو السبب الثاني الذي من شأنه أن يجعل أصداء نتائج الخروج البريطاني تتردد في مختلف أنحاء العالم. فسوف يكون الاستفتاء أول اختبار كبير لصدق الخبراء والأسواق، أو استطلاعات الرأي، وأي الجانبين كان أقرب إلى الحقيقة بشأن شدة الارتفاع المفاجئ في المشاعر الشعبوية.

في الوقت الراهن، يفترض خبراء السياسة والأسواق المالية على ضفتي المحيط الأطلسي، وربما بقدر كبير من الرضا عن الذات، أن ما يقوله الناخبون الغاضبون في استطلاعات الرأي لا يعكس كيف يعتزمون التصويت حقا. وقد دأب المحللون والمستثمرون على تعيين احتمالات منخفضة لانتصار المتمردين: في أواخر مايو/أيار، وضعت الأسواق ونماذج  الحاسب الآلي المقامِرة احتمالات انتخاب ترامب والخروج البريطاني عند مستوى 25% فقط، برغم أن استطلاعات الرأي أظهرت مستوى دعم للاحتمالين بنحو 50%.

إذا كان الفوز للخروج البريطاني في الثالث والعشرين من يونيو/حزيران، فإن الاحتمالات المنخفضة التي أعطاها الخبراء والأسواق المالية لنجاح الثورات الشعبوية في أميركا وأوروبا سوف تبدو موضع اشتباه على الفور، في حين تكتسب الاحتمالات الأعلى التي اقترحتها استطلاعات الرأي المزيد من المصداقة. وهذا ليس لأن الناخبين في الولايات المتحدة سوف يتأثرون ببريطانيا؛ فهم لن يتأثروا بالطبع. ولكن بالإضافة إلى كل أوجه التشابه الاقتصادية والديموغرافية والاجتماعية، تواجه استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة وبريطانيا الآن تحديات وشكوك مماثلة للغاية، وذلك نظرا لانهيار الولاءات السياسية التقليدية وهيمنة نظام الحزبين.

الواقع أن النظرية الإحصائية تسمح لنا حتى بقياس كم التحول في الانتخابات الرئاسية الأميركية إذا كان الفوز لصالح أنصار الخروج في بريطانيا. لنفترض على سبيل التبسيط أننا نبدأ بإعطاء مصداقية متساوية لاستطلاعات الرأي التي تُظهِر دعما لخروج بريطانيا وفوز ترامب بنحو 50% تقريبا وآراء الخبراء التي ترجحهما بنسبة 25% فقط. والآن لنفترض أن الفوز كان لخروج بريطانيا. في هذه الحالة تُظهِر صيغة إحصائية تدعى نظرية بايز أن معدل تصديق استطلاعات الرأي سوف يرتفع من 50% إلى 67%، في حين تنخفض مصداقية الخبراء من 50% إلى 33%.

يقودنا هذا إلى النتيجة الثالثة والأكثر إثارة للقلق للتصويت البريطاني. فإذا فاز الخروج البريطاني في بلد مستقر وثابت سياسيا مثل بريطانيا، فسوف يهتز الرضا الذاتي الذي يهيمن على الأسواق المالية والشركات في مختلف أنحاء العالم بشأن حركات التمرد الشعبوية في بقية أوروبا والولايات المتحدة. وسوف تعمل هذه المخاوف المتزايدة في السوق بدورها على تغيير الواقع الاقتصادي. وكما حدث في عام 2008، سوف تعمل الأسواق المالية على تضخيم مشاعر القلق إزاء الاقتصاد، فتولد بالتالي المزيد من الغضب المناهض للمؤسسة وتغذي التوقعات التي لا تزال مرتفعة بشأن اندلاع ثورة سياسية.

الواقع أن التهديد بانتقال العدوى على هذا النحو يعني أن تصويت بريطانيا قد يكون حافزا لأزمة عالمية أخرى. ولكن هذه المرة، لن يتمكن العاملون الذين يفقدون وظائفهم والمتقاعدون الذين يخسرون مدخراتهم، وأصحاب المساكن الذين يجدون أنفسهم محاصرين داخل ملكية سلبية، من إلقاء اللوم على "المصرفيين". أما أولئك الذين يصوتون لصالح الانتفاضات الشعبوية فلا يملكون أن يلوموا أحدا سوى أنفسهم عندما تنتهي ثوراتهم إلى كارثة.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/8q3oCDw/ar;
  1. Television sets showing a news report on Xi Jinping's speech Anthony Wallace/Getty Images

    Empowering China’s New Miracle Workers

    China’s success in the next five years will depend largely on how well the government manages the tensions underlying its complex agenda. In particular, China’s leaders will need to balance a muscular Communist Party, setting standards and protecting the public interest, with an empowered market, driving the economy into the future.

  2. United States Supreme Court Hisham Ibrahim/Getty Images

    The Sovereignty that Really Matters

    The preference of some countries to isolate themselves within their borders is anachronistic and self-defeating, but it would be a serious mistake for others, fearing contagion, to respond by imposing strict isolation. Even in states that have succumbed to reductionist discourses, much of the population has not.

  3.  The price of Euro and US dollars Daniel Leal Olivas/Getty Images

    Resurrecting Creditor Adjustment

    When the Bretton Woods Agreement was hashed out in 1944, it was agreed that countries with current-account deficits should be able to limit temporarily purchases of goods from countries running surpluses. In the ensuing 73 years, the so-called "scarce-currency clause" has been largely forgotten; but it may be time to bring it back.

  4. Leaders of the Russian Revolution in Red Square Keystone France/Getty Images

    Trump’s Republican Collaborators

    Republican leaders have a choice: they can either continue to collaborate with President Donald Trump, thereby courting disaster, or they can renounce him, finally putting their country’s democracy ahead of loyalty to their party tribe. They are hardly the first politicians to face such a decision.

  5. Angela Merkel, Theresa May and Emmanuel Macron John Thys/Getty Images

    How Money Could Unblock the Brexit Talks

    With talks on the UK's withdrawal from the EU stalled, negotiators should shift to the temporary “transition” Prime Minister Theresa May officially requested last month. Above all, the negotiators should focus immediately on the British budget contributions that will be required to make an orderly transition possible.

  6. Ksenia Sobchak Mladlen Antonov/Getty Images

    Is Vladimir Putin Losing His Grip?

    In recent decades, as President Vladimir Putin has entrenched his authority, Russia has seemed to be moving backward socially and economically. But while the Kremlin knows that it must reverse this trajectory, genuine reform would be incompatible with the kleptocratic character of Putin’s regime.

  7. Right-wing parties hold conference Thomas Lohnes/Getty Images

    Rage Against the Elites

    • With the advantage of hindsight, four recent books bring to bear diverse perspectives on the West’s current populist moment. 
    • Taken together, they help us to understand what that moment is and how it arrived, while reminding us that history is contingent, not inevitable


    Global Bookmark

    Distinguished thinkers review the world’s most important new books on politics, economics, and international affairs.

  8. Treasury Secretary Steven Mnuchin Bill Clark/Getty Images

    Don’t Bank on Bankruptcy for Banks

    As a part of their efforts to roll back the 2010 Dodd-Frank Act, congressional Republicans have approved a measure that would have courts, rather than regulators, oversee megabank bankruptcies. It is now up to the Trump administration to decide if it wants to set the stage for a repeat of the Lehman Brothers collapse in 2008.