14

الانقطاع الأعظم

باريس ــ منذ النصف الثاني من عام 2012، بدأت الأسواق المالية تتعافى بقوة في مختلف أنحاء العالم. بل إن مؤشر داو جونز الصناعي في الولايات المتحدة بلغ أعلى مستوياته على الإطلاق في أوائل شهر مارس/آذار، بعد أن ارتفع بنسبة تقرب من 9% من سبتمبر/أيلول الماضي. وفي أوروبا، تبين أن "مدافع أغسطس" التي أطلقها رئيس البنك المركزي ماريو دراجي كانت فعّالة بشكل ملحوظ. فقد نجح دراجي في منع انزلاق اليورو إلى غياهب النسيان من خلال الوعد بمشتريات غير محدودة من سندات الحكومات الأعضاء. وفي الفترة من الأول من سبتمبر/أيلول والثاني والعشرين من فبراير/شباط، ارتفع مؤشر اف. تي. إس يورو فيرست بنحو 7%. وفي آسيا أيضا، ارتفعت الأسواق المالية منذ سبتمبر/أيلول، وبشكل أكثر بروزاً في اليابان.

ويبدو أن حتى الانتخابات الإيطالية في أواخر فبراير/شباط لم تفض إلى اضطرابات كبيرة في السوق (على الأقل حتى الآن). فرغم أن الفوارق في أسعار الفائدة على سندات العشر سنوات الإيطالية والأسبانية قفزت لفترة وجيزة بنحو 30 إلى 50 نقطة أساسية نسبة إلى السندات الألمانية بعد إعلان نتائج الانتخابات، فإنها تراجعت بعد ذلك إلى 300 إلى 350 نقطة أساسية، مقارنة بنحو 500 إلى 600 نقطة أساسية قبل القرار الذي اتخذه البنك المركزي الأوروبي بإنشاء برنامج "المعاملات النقدية الصريحة".

بيد أن ارتفاع الأسواق المالية على هذا النحو يتناقض مع الأحداث السياسية والمؤشرات الاقتصادية الحقيقية. ففي الولايات المتحدة، تحسن الأداء الاقتصادي بشكل هامشي فقط في عام 2012، حيث ارتفع الناتج المحلي الإجمالي السنوي بنسبة 2,3% مقارنة بنحو 1,8% في عام 2011. كما ظلت معدلات البطالة مرتفعة، عند مستوى 7,8% بنهاية عام 2012، ولم تسجل الأجور الحقيقية أي نمو تقريباً على مدى الأعوام القليلة الماضية. ولا يزال متوسط دخل الأسر في الولايات المتحدة أقل من مستواه في عام 2007 ــ بل أقرب إلى مستواه قبل عقدين من الزمان ــ كما تركزت 90% تقريباً من كل مكاسب الدخل في الولايات المتحدة في فترة ما بعد الأزمة تراكمت لدى شريحة الـ1% الأعلى دخلاً بين الأسر الأميركية.

وكانت مؤشرات منطقة اليورو أسوأ. فقد انكمش الاقتصاد في عام 2012، وتراجعت الأجور، برغم الزيادات في ألمانيا وبعض دول الشمال. ورغم عدم توفر الإحصاءات المؤكدة بعد، فإن الفقر في جنوب أوروبا كان في تزايد للمرة الأولى منذ عقود من الزمان.