chellaney140_Robert NickelsbergGetty Images_us troops leave Robert Nickelsberg/Getty Images

زَلـة بايدن الأفغانية

نيودلهي ــ أصبحت أفغانستان على شفا الكارثة، وهذا خطأ الرئيس الأميركي جو بايدن. فمن خلال رفض اعتراض كبار جنرالات أميركا وإصدار الأمر المتعجل بسحب القوات الأميركية، فتح بايدن الطريق أمام الإرهابيين متمثلين في حركة طالبان للاستيلاء على أكثر من ربع مناطق أفغانستان. والآن، تندفع قوات طالبان نحو كابول، وتبدو الولايات المتحدة أضعف من أي وقت مضى.

أنهت الولايات المتحدة عمليا عملياتها العسكرية في أفغانستان في الأول من يوليو/تموز، عندما سلمت الحكومة الأفغانية قاعدة باجرام الجوية الضخمة، والتي خدمت لفترة طويلة كنقطة انطلاق للعمليات الأميركية في أفغانستان. الواقع أن "التسليم" وصف سخي للغاية. ففي إشارة إلى ما سيأتي، خرجت قوات الولايات المتحدة خِـلسة من القاعدة أثناء الليل بعد قطع التيار الكهربائي. فسمح الانقطاع الأمني الناجم عن ذلك للناهبين واللصوص بكنس القاعدة بحثا عن الغنائم قبل أن تصل القوات الأفغانية وتستعيد السيطرة.

انبرى بايدن إلى الدفاع بشدة عن قراره بالانسحاب، زاعما أن الولايات المتحدة "لم تذهب إلى أفغانستان لبناء الدولة هناك" وأن "البقاء كان ليعني أن تتكبد القوات الأميركية خسائر في الأرواح". كما دافع عن نهجه المتسرع مصرا على أن "السلامة في السرعة" في هذا السياق. "بكم ألف أخرى من بنات وأبناء أميركا تريدون أن تخاطروا؟"

كان المقصود ضمنا واضحا: التشكيك في الحكمة من انسحاب الولايات المتحدة يرقى إلى تأييد تعريض حياة الأميركيين للخطر. لكن الأفغان هم الذين أصبحوا عُـرضة للخطر حقا.

لنتذكر هنا آخر مرة نفضت فيها أميركا يديها من حرب لم تكتمل: في عام 1973، تخلت عن حلفائها على نحو متعجل في جنوب فيتنام. في العام التالي، بلغ عدد القتلى بين الجنود والمدنيين في جنوب فيتنام نتيجة للصراع ثمانين ألفا، مما جعل ذلك العام أكثر الأعوام دموية في حرب فيتنام على الإطلاق. من الجدير بالذكر أيضا أن الولايات المتحدة سلمت كمبوديا فعليا إلى منظمة الخمير الحمر الشيوعية المتطرفة المدعومة من الصين، والتي واصلت تنفيذ فظائع لا يمكن تصورها.

الآن، تترك الولايات المتحدة الأفغان تحت رحمة قوة إسلاموية غازية نَـهّـابة ــ لها تاريخ طويل من السلوك الوحشي. وبالفعل، تسببت هجمات طالبان في نزوح عشرات الآلاف من المدنيين. وبينما تترنح الحكومة الأفغانية في كابول، تستولي طالبان على الأسلحة الأميركية من الجيش الأفغاني وتتباهى بها أثناء زحفها في مختلف أنحاء البلاد.

Subscribe to Project Syndicate
Bundle2021_web4

Subscribe to Project Syndicate

Enjoy unlimited access to the ideas and opinions of the world's leading thinkers, including weekly long reads, book reviews, topical collections, and interviews; The Year Ahead annual print magazine; the complete PS archive; and more. All for less than $9 a month.

Subscribe Now

إن تبرير أميركا للاندفاع في الخروج من أفغانستان أضعف كثيرا من المنطق الذي بررت به رحيلها عن فيتنام. ففي حين قُـتِـل 58220 أميركي (أغلبهم من المجندين) في فيتنام، مات 2448 جنديا أميركا فقط (جميعهم متطوعون) على مدار 20 عاما في أفغانستان. علاوة على ذلك، منذ أنهت الولايات المتحدة رسميا مهمتها القتالية في الأول من يناير/كانون الثاني 2015، تكبدت الولايات المتحدة 99 وفاة فقط، بما في ذلك حوادث بعيدة عن الأعمال العدائية. خلال ذات الفترة، قُـتِـل أكثر من 28 ألف شرطي وجندي أفغاني.

لا شيء من هذا المقصود منه التقليل من شأن الدماء والأموال التي ضحت بها الولايات المتحدة في أفغانستان، ناهيك عن اقتراح بقاء القوات الأميركية هناك إلى أجل غير مسمى. على العكس من ذلك، يُـعَـد إنهاء أطول حرب خاضتها أميركا هدفا يستحق السعي إلى تحقيقه. لكن النهج الذي يتبناه بايدن ينطوي فعليا على الاعتراف بأن ميليشيا إرهابية هزمت أقوى مؤسسة عسكرية في العالم، والتي أعادت أفغانستان إلى هذه الميليشيا على طبق من فضة. هذا من شأنه أن يقوض الثقة العالمية في الولايات المتحدة، ويعرض للخطر الأمن الأفغاني والإقليمي، ويهدد بإشعال شرارة انبعاث الإرهاب في مختلف أنحاء العالم.

من المؤكد أن عودة طالبان الوشيكة إلى السلطة كفيلة بتنشيط وتشجيع جماعات إرهابية أخرى في الحركة الجهادية العالمية الأكبر. فضلا عن ذلك، لا تزال طالبان، وهي من خلق الاستخبارات الباكستانية، تتلقى مساعدات كبيرة من الجيش الباكستاني. لذا، فبينما يقول بايدن إن مستقبل أفغانستان أصبح الآن في يديها، فإن مستقبلها في حقيقة الأمر بات في أيدي الباكستانيين، كما لاحظ مؤخرا الرئيس الأفغاني أشرف غني.

تُـعَـد الهند بين أولئك الذين يواجهون المخاطر الأشد جسامة. عندما كانت طالبان في السلطة آخر مرة، من عام 1996 إلى عام 2001، سمحت لباكستان باستخدام الأراضي الأفغانية لتدريب الإرهابيين لتنفيذ مهام في الهند. وعلى هذا فإن عودتها إلى السلطة قد تفتح جبهة جديدة للإرهاب ضد الهند، التي ستضطر آنئذ إلى تحويل تركيزها بعيدا عن تكثيف المواجهات العسكرية مع الصين في منطقة الهيمالايا.

كما تساعد عودة طالبان في أفغانستان الصين بطرق أخرى. نظرا لأن باكستان تُـعَـد عميلة للصين، فإن الانسحاب الأميركي يمهد الطريق أمام الصين لتنفيذ غزوات استراتيجية داخل أفغانستان، بفضل ثروتها المعدنية الكبيرة وموقعها الاستراتيجي بين باكستان وإيران.

وسوف تحقق الصين هذا من خلال منح طالبان الأمرين اللذين تحتاج إليهما بشدة: الاعتراف الدولي والمساعدات الاقتصادية. ومع احتمال اعتراف روسيا أيضا بقيادة طالبان في أفغانستان، فلن يكون لدى الجماعة أي حافز يُـذكَـر لتهدئة عنفها، على الرغم من محاولاتها الحالية لتلميع صورتها.

الواقع أن بايدن كان لديه خيار أفضل: إذ كان بوسع الولايات المتحدة أن تُـبقي على قوة صغيرة في أفغانستان، من أجل توفير الدعم الجوي الحاسم والطمأنينة للقوات الأفغانية. صحيح أن هذا كان ليمثل انتهاكا للصفقة التي أبرمها دونالد ترمب مع طالبان في فبراير/شباط 2020، لكن طالبان انتهكت بالفعل هذه الصفقة الشيطانية. كان بايدن سعيدا بإلغاء العديد من تصرفات ترمب الأخرى، الأمر الذي يجعل إصراره على التمسك بهذه الصفقة أمرا يصعب فهمه.

يقول بايدن إن الولايات المتحدة "تعمل على تطوير قدرة مكافحة الإرهاب عبر الأفق" والتي لا تتطلب وجودا ماديا في أفغانستان. لكن إذا استمر انهيار الأمن الأفغاني، فإن العمليات "عبر الأفق" لن تُـحدِث أي فارق يُـذكَر. ويتمثل السيناريو الأكثر احتمالا الآن في الإجلاء الطارئ لموظفي السفارة الأميركية وغيرهم من المواطنين الأميركيين من كابول، مثل الإجلاء من سايجون في عام 1975. وقد بدأت الهند بالفعل تنفيذ مثل هذا الخروج الجماعي، بإجلاء العاملين في قنصليتها من قندهار.

في عام 2014، كتب روبرت جيتس، الذي شغل منصب وزير الدفاع في عهد الرئيسين جورج دبليو بوش وباراك أوباما، أن بايدن كان "مخطئا في فهم واستيعاب كل قضايا السياسة الخارجية والأمن القومي تقريبا على مدار السنوات الأربعين الأخيرة". ويبدو أن الانسحاب الأميركي المتعجل من أفغانستان سيكون امتدادا لذات النمط.

ترجمة: إبراهيم محمد علي            Translated by: Ibrahim M. Ali

https://prosyn.org/5qqGQNfar