0

ما وراء الوباء

نيويورك ـ أعلنت منظمة الصحة العالمية رسمياً أن فيروس الأنفلونزا H1N1 قد تحول إلى وباء عالمي. والآن تبذل الحكومات والمنظمات الدولية والشعوب في مختلف أنحاء العالم قصارى جهدها لمكافحة هذا الوباء.

إن السرعة التي انتشر بها فيروس H1N1 إلى كافة قارات العالم تقريباً تسلط الضوء على تكافلنا المتبادل وتبرزه. وفي أيامنا هذه، أصبح الأثر الذي قد يحدثه مرض ما في أي بلد محسوساً في كافة بلدان العالم في النهاية. وعلى هذا فإن أي استجابة فعّالة لابد وأن تستند إلى شعور بالتضامن العالمي والمصلحة الذاتية المستنيرة.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

يتعين علينا أن ندرك إننا نبحر جميعاً في نفس القارب. وحين يكتسح مرض جديد بلدان العالم، فليس من الجائز على الإطلاق أن تكون القدرة على الوصول إلى اللقاحات والأدوية المضادة للفيروسات مقتصرة على من يستطيع أن يتحمل ثمنها. وليس من المتصور أن ترجو الدول الثرية الاستمتاع بالصحة المستدامة ما دامت البلدان الفقيرة محرومة من تلك النعمة. ولابد من تبادل العينات والمعلومات الخاصة بالفيروسات علناً وبدون تأجيل أو تأخير. كما يتعين على الحكومات وكبريات شركات تصنيع الأدوية أن تحرص على حصول البلدان الفقيرة على الإمدادات الطبية التي تحتاج إليها.

ولكن حتى ونحن نحاول التغلب على تحديات اليوم فيتعين علينا أن نتطلع إلى الأمام. فبعد هذا الوباء يكاد يكون من المؤكد أن كبوة أخرى تتربص بنا ـ بل وربما تكون أشد خطورة. ويتعين علينا أن نسترشد بنفس مبدأ التضامن بينما نعمل على تعبئة الجهود في مواجهة التحديات الصحية الأخرى التي ابتلي بها سكان العالم، وخاصة الأكثر فقراً بينهم.

مع كل دقيقة تمر هناك امرأة تموت أثناء الوضع في مكان ما من العالم. وهناك أكثر من مليار إنسان يعانون من أمراض مدارية مهملة ـ وهي أمراض كثيراً ما يمكن منعها والسيطرة عليها بسهولة. وكما نجحنا من قبل في القضاء على مرض الجدري، فنحن قادرون على القضاء على غيره من الأمراض. ومن الجدير بالذكر أن 60% من الوفيات بين سكان العالم تكون نتيجة لأمراض لا تنتقل بالعدوى، مثل السرطان وأمراض القلب.

ولهذا السبب فنحن نركز كل التركيز على الصحة حين نتحدث عن التنمية واستقرار الأمم، وخاصة صحة الفقراء الأكثر تعرضاً للمرض، وهو نفس السبب الذي يجعلنا حريصين على تناول مسألة الصحة هذا الأسبوع في نيويورك، على الرغم من الأزمات المتعددة التي يعيشها العالم اليوم.

إن مواصلة الاستثمار في الصحة العالمية أمر منطقي سواء من حيث إنقاذ الأرواح أو توفير الأموال. ذلك أن الأصحاء من الناس أكثر قدرة على الإنتاج، فهم يتغيبون عن أعمالهم لأيام أقل، ويعيشون حياة أطول، ويقطعون شوطاً أطول في التعليم، ويميلون إلى إنجاب أطفال أقل عدداً وأوفر صحة ويستثمرون قدراً أعظم من أموالهم على رفاهة أطفالهم. ولقد أثبتت الدراسات أن الاستثمار في الرعاية الصحية من الممكن أن يعود بفوائد اقتصادية تتجاوز ستة أضعاف التكاليف. فعلى سبيل المثال، قُـدِّرت التكاليف العالمية المترتبة على وفاة الأمهات والمواليد الجدد بحوالي 15 ��ليار دولار أميركي سنوياً في هيئة إنتاجية مهدرة.

رغم ذلك، وحين تلم بنا الأوقات العصيبة، فإن الإنفاق على الصحة يكون غالباً من بين أول بنود الإنفاق التي نختصرها. فأثناء أوقات الركود السابقة، وخاصة في البلدان النامية، كان الأثرياء ينالون أفضل خدمة؛ أما الفقراء فكثيراً ما كانوا يتركون ليتدبروا أمورهم بأنفسهم. غير أن المدى الذي يتمتع به أي مجتمع من الصحة الاجتماعية والاقتصادية يتوقف دوماً على توفير الصحة البدنية لكافة أفراده. وحين تختصر الحكومات من إنفاقها على الرعاية الصحية الأساسية المقدمة لمواطنيها الأكثر فقراً، فإن المجتمع بالكامل يتحمل في النهاية ثمناً باهظاً. وإلى اليوم هناك أقسام ضخمة من أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا لم تتعاف بعد من الأخطاء التي ارتكبت أثناء دورات الانحدار الاقتصادي السابقة.

لا شيء أهم من الاستثمار في صحة الأمهات. ففي أكثر البلدان فقراً يشكل النساء بصورة خاصة النسيج الذي يتألف منه المجتمع. فهن يزرعن الأرض، ويحملن المياه، وينشئن الأطفال ويعلمنهم، ويوفرن الرعاية للمرضى في الأسرة. ومن ثم فإن الاستثمار في صحة الأمهات لابد وأن يكون على رأس أولوياتنا. ورغم ذلك فإن هدف تعزيز صحة الأمهات ما زال يشكل الهدف الأقل تحققاً بين الأهداف الإنمائية للألفية.

ونتيجة لهذا فإن معدلات الوفيات على مستوى العالم كانت 400 وفاة بين كل مائة ألف طفل يولدون أحياء ـ لم يتغير هذا المعدل إلا قليلاً منذ عام 1990. وفي أفريقيا تصل النسبة إلى 900 بين كل مائة ألف. والحقيقة المرة وراء هذه الأرقام هي أن الأمهات، وهن حديثات السن في أغلب الأحوال، يتوفين بسبب افتقارهن إلى ما يعتبره أغلبنا من الأمور المسلم بها في القرن الحادي والعشرين ـ الحصول على الرعاية الصحية بتكاليف يمكن تحملها.

وتشكل الرعاية الصحية للأمهات أيضاً مقياساً لمدى نجاح أي نظام للرعاية الصحية. فإذا كان بإمكان الإناث الحصول على الرعاية في المستشفيات والعيادات فمن غير المرجح أن يتوفين أثناء وضع الأطفال. وهذه المستشفيات والعيادات تحد بدورها من عبء المرض والوفاة لأسباب أخرى.

Fake news or real views Learn More

إن الفشل في تعبئة الموارد وحشد الإرادة السياسة اللازمة لوضع حدٍ لهذه المأساة السخيفة أمر لا يغتفر. لقد أحرزنا تقدماً على جبهات عديدة. ونحن على بعد بضع سنوات من التمكن من القضاء على كل احتمال للوفاة بسبب مرض الملاريا. كما نجح التحصين الجماعي إلى حد كبير في القضاء على مرض شلل الأطفال. وبفضل برامج الإماهة الفموية الجديدة وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، أصبح بوسعنا أن نجني مكاسب ملموسة في علاج الدوسنتاريا وغيرها من الأمراض الطفيلية، والإسهام في تخفيض معدلات الوفاة بين الأطفال دون سن الخامسة بنسبة 27% منذ عام 1990 وحتى عام 2007.

أجل، أن العالم يواجه أول انتشار وبائي لمرض الأنفلونزا منذ أكثر من أربعين عاماً. ويتعين علينا أن نتوخى أعظم قدر من الحذر في مواجهة احتمالات تغيير الفيروس لهيئته. كما يتعين علينا أن نستعد لمواجهة تأثيرات مختلفة محتملة في أجزاء من العالم حيث تسود أمراض سوء التغذية، وفيروس نقص المناعة البشرية المكتسبة/الايدز، وغير ذلك من الظروف الصحية الخطيرة. وباختصار، يتعين علينا أن نظل متيقظين وأن نواصل العمل بنشاط في التصدي لهذا الوباء. وفي الوقت نفسه فإن هذا الوباء يذكرنا باحتياجنا إلى التفكير فيما هو أبعد من الوباء الحالي والعمل من أجل مستقبل أفضل. وبهذا فقط سوف يكون بوسعنا حقاً أن نحمي شعوبنا وبلداننا واقتصادنا ومجتمعنا العالمي.