27

أسواق العمل في عصر التشغيل الآلي

بيريكلي – يؤدي التقدم المحرز في مجالي الذكاء الصناعي والروبوتات إلى ظهور موجة جديدة من التشغيل الآلي، بآلات تواكب القدرات البشرية أو تفوقها من حيث الأداء في نطاق مهام سريعة النمو، بما في ذلك بعض المهام التي تتطلب قدرات معرفية معقدة ودرجات علمية متقدمة. لقد فاقت هذه العملية توقعات الخبراء؛ فمن غير المستغرب، أن تتسبب آثارها الضارة المحتملة على العمالة، كما وكيفا، في إثارة قلق بالغ.

وحين يستمع شخص ما إلى إدارة دونالد ترامب، قد يعتقد أن التجارة ما تزال السبب الرئيسي وراء خسارة الوظائف الصناعية في الولايات المتحدة. وقد صرح وزير الخزانة في حكومة ترامب، ستيفين منشن، بأن الادارة لا تراقب التشريد التقني المحتمل للعمال.

بيد أن ثمة إجماع، فيما بين الاقتصاديين، على أن حوالي 80% من الخسارة في الوظائف الصناعية بالولايات المتحدة على مدار العقود الثلاثة الماضية نتج عن توفير العمالة والتغير التكنولوجي المعزز للإنتاجية، مع تراجع التجارة إلى المرتبة الثانية بفارق كبير. والسؤال إذن هو ما إذا كنا نتجه نحو مستقبل من العاطلين، تخلف فيه التكنولوجيا العديد من العاطلين، أو "مستقبل من العاطلين الجيدين"، الذي يتزايد فيه عدد العمال غير القادرين على الحصول على دخل الطبقة المتوسطة، بغض النظر عن مستوى تعليمهم أو مهاراتهم.

ربما تكون الإجابة مزيج من الاحتمالين. فقد أثبتت أحدث الدراسات الرئيسية بشأن هذا الموضوع، في الفترة من 1990 إلى 2007، أن انتشار استخدام الروبوتات الصناعية – والتي تعرف بأنها آلات ذاتية التشغيل، ذاتية التحكم، قابلة للبرمجة، متعددة الأغراض – قوضت كلا من العمالة والأجور.

وبناء على نماذج المحاكاة التي تقدمها الدراسة، من المحتمل أن تؤدي الروبوتات لخسارة حوالي 400.000 وظيفة أمريكية كل عام، معظمها وظائف صناعية متوسطة الدخل، لا سيما في مصانع مثل مصانع السيارات والبلاستيك والبتروكيماويات. وبالطبع، كما يشير تقرير صادر عن معهد السياسات الاقتصادية، لا تعد هذه الأعداد أعداد كبيرة، بالنسبة إلى الحجم الإجمالي لسوق العمل الأمريكي. بيد أن خسائر الوظائف المحلية كان لها تأثير: فالعديد من المجتمعات المحلية الأكثر تضررا تقع في ولايات الغرب الأوسط والولايات الجنوبية التي صوتت لصالح ترامب، ويُعزى ذلك بدرجة كبيرة إلى وعوده الحمائية المعادية للتجارة.  

وحيث إن التشغيل الآلي حل محل العمال في عدد كبير من الوظائف، سيتزايد التأثير على عدد الوظائف وجودتها. وكما توضح دراسة حديثة أجراها  معهد ماكينزي العالمي،  ثمة مجال كبير أمام هذا الإحلال. أثبتت الدراسة، التي شملت 46 دولة و80% من قوة العمل العالمية، أن عددا قليلا نسبيا من الوظائف – أقل من 5% - يمكن تشغيله آليا بالكامل. ولكن 60% من كل الوظائف يمكن أن تشغيل 30% على الأقل من مجموع مهامها الأساسية أو أنشطتها تشغيلا آليا، بناء على وسائل التكنولوجيا المعروضة حديثا. 

وتتمثل الأنشطة التي يمكن تنفيذها آليا على نطاق أوسع على المدى القريب في المهمات الإدراكية الروتينية مثل تجيمع البيانات ومعالجة البيانات، وكذا الأنشطة الروتينية، اليدوية والبدنية، في البيئات المنظمة التي يمكن التنبؤ بها. تمثل هذه الأنشطة الآن نحو 51% من الأجور الأمريكية، وتنتشر انتشارا أكبر في القطاعات التي توظف أعدادا كبيرة من العمال، بما في ذلك خدمات الفنادق والطعام، والتصنيع، وتجارة التجزئة.

وأشار التقرير الذي أعده معهد ماكينزي أيضا إلى وجود علاقة سلبية بين الأجور المدفوعة مقابل إنجاز المهام ومستويات المهارة المطلوبة من ناحية، واحتمال إنجاز هذه المهام آليا من ناحية أخرى. وبوجه عام، يقلل التشغيل الآلي الطلب على العمالة منخفضة ومتوسطة المهارة في المهام الروتينية ذات الأجور الأدنى، بينما يزيد الطلب على العمالة عالية المهارة مرتفعة الأجور التي تؤدي مهاما ذهنية تتطلب مهارات فنية وقدرة على حل المشكلات. يمكن القول ببساطة، بأن التغير التكنولوجي منحاز للمهارات. 

وعلى مدار الثلاثين عاما الماضية أو نحو ذلك، أدى التغير التكنولوجي المنحاز للمهارات إلى استقطاب كلا من العمالة والأجور، حيث يواجه العمال من أصحاب الوظائف المتوسطة ركود الأجور الحقيقية ويعاني العمال غير الجامعيين من انخفاض ملحوظ في دخولهم الحقيقية. ويؤدي هذا الاستقطاب إلى تزايد التفاوت في توزيع دخول العمال، والذي يؤدي في المقابل إلى تزايد تفاوت الدخل الإجمالي – وهي الدينامية التي شدد عليها الكثير من الاقتصاديين، بدءا من ديفيد أوتور وحتى توماس بيكيتي .  

وكما أوردت أنا ومايكل سبنس في ورقة بحثية صدرت حديثا، فإن الآلات الذكية المنحازة للمهارات التي تحل محل العمال تؤدي إلى التفاوت في الدخل بطرق أخرى عديدة، بما في ذلك تأثير "الفائز ينول كل شئ" والذي يجلب فوائد هائلة إلى النجوم البارزين وإلى قلة من المحظوظين وكذلك الموارد الناتجة عن المنافسة غير الكاملة ومزايا المبادر الأول في النظم الشبكية. وغالبا ما تتجاوز عائدات رأس المال الرقمي عائدات رأس المال المادي وتعكس قوانين توزيع السلطة، مع حصة ضخمة من العائدات لا ينالها أيضا إلا عدد قليل نسبيا من الأطراف الفاعلة. 

وكما أوضحت أنا وسبنس، فإن للتغير التكنولوجي تبعاته التي تعزز عدم المساواة: إذ يتسم بعولمة ذات "قوة هائلة" عن طريق تمكين الشركات من  تحديد مصادر عمليات الإنتاج ورصدها وتنسيقها في مواقع نائية بطرق سريعة وزهيدة التكلفة، حتى تتمتع بميزة انخفاض تكاليف العمالة. ونظرا لذلك، يصعب التمييز بين تأثير التكنولوجيا وتأثير العولمة على العمالة، والأجور، وتفاوت الدخول في الدول المتقدمة.

يخلص تحليلنا إلى أن القوتين تعزز إحداهما الأخرى، وساعدتا في صعود حصة رأس المال في الدخل القومي – الأمر الذي يعد متغيرا جوهريا في نظرية تفاوت الثروة لبيكيتي.  وقد خلصت نشرة آفاق الاقتصاد العالمي لصندوق النقد الدولي، نيسان/أبريل 2017 إلى نفس النتيجة، حيث عزت نحو 50% من انخفاض حصة العمل في الدخل القومي على مدار الثلاثين عاما الماضية في الاقتصادات المتقدمة إلى تأثير التكنولوجيا.

وقد أدى القلق المتزايد بشأن الآثار المحتملة لتزايد الأدوات الذكية على الأجور، وتفاوت الدخول إلى مطالبات بوضع سياسات لإبطاء وتيرة التشغيل الذاتي، مثل فرض ضرائب على الروبوتات. بيد أن هذه السياسات تقوض الابتكار، والنمو الإنتاجي، وهو القوة الأساسية التي تقف وراء المستويات المعيشة المرتفعة.

وبدلا من وضع الأوزة الذهبية للتقدم التكنولوجي في قفص، يجب أن يركز واضع السياسات على التدابير التي تساعد هؤلاء المشردين، مثل البرامج التعليمية والتدريبية، ودعم الدخل وشبكات الأمان الاجتماعي، بما في ذلك التأمين على الأجور، وقروض إعادة التدريب مدى الحياة، والمعاشات التقاعدية واستحقاقات الصحة القابلة للتحويل. ثمة حاجة أيضا إلى المزيد من السياسات المتقدمة الخاصة بالضرائب والتحويلات ، لضمان مزيد من التقاسم المنصف للدخل ومكاسب الثروة الناتجة عن التشغيل الآلي. 

منذ ثلاثة أعوام، طرحت مسألة عدم اعتماد قضية الإستفادة على نطاق واسع من مزايا الآلات الذكية على تصميمها ، ولكن على تصميم السياسات المحيطة بها. ومنذ ذلك الحين، لم أقف وحدي. ولسوء الحظ، لم تصل الرسالة إلى فريق ترامب.