0

المساعدة على الموت ـ الانتقال من "هل يجوز لنا أن نفعل ذلك؟" إلى "من يجوز له أن يفعل ذلك؟"

في الماضي كان التعجيل بوفاة أي شخص بصورة متعمدة يُـعَـد جريمة في كل الأحوال، وأياً كانت الظروف المحيطة. لكن التوجهات العامة قد تغيرت الآن. ذلك أن الناس قد بدأت على نحو متزايد تنظر إلى تقديم المساعدة إلى شخص ما يطلب الموت على نحو واضح باعتباره تصرفاً يمكن تبريره، وبصورة خاصة في حالات الإصابة بمرض قاتل لا يمكن الشفاء منه.
لقد كانت هذه نتيجة ثابتة لاستطلاع للآراء جرى في دول غربية.

ومع ذلك، فما زالت الهيئات التشريعية تلزم جانب الحذر حين تفكر في التغييرات المحتمل إدخالها على القانون. فحتى الآن لم تبادر سوى هولندا، وبلجيكا، وولاية أوريجون بالولايات المتحدة إلى سن تشريعات صريحة ووضعها في حيز التنفيذ. لكن العديد من الدول الأخرى، بما في ذلك المملكة المتحدة، وجنوب أفريقيا، وأستراليا، تشهد الآن مناقشات سياسية جادة بشأن تغييرات قانونية مماثلة.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

ومع تضاؤل المعارضة الشديدة للتنظيم القانوني لتقديم المساعدة لمن يطلب الموت، فقد أصبحت القضايا المتصلة بإمكانية التطبيق العملي لهذه المسألة أكثر أهمية. بطبيعة الحال هناك تساؤل حول من هو الشخص المؤهل للحصول على المساعدة إذا ما طلب الموت. هل يقتصر الأمر على من يعانون من مرض عضال غير قابل للشفاء؟ هل يجوز لنا على سبيل المثال أن نقدم هذه المساعدة للمصابين بمرض إلزاهايمر في مراحله المبكرة؟ أو حتى لأي مصاب بمرض خطير غير قابل للشفاء أو أي مصاب بعجز ما؟ وماذا عن الأشخاص الذين لا ترجع أسباب رغبتهم في الموت إلى حالتهم الصحية على الإطلاق؟

هناك أيضاً مسألة مركزية أخرى لم تلق القدر الذي تستحقه من الاهتمام حتى الآن: من الشخص الذي يجوز له أن يأخذ على عاتقه مسئولية تقديم مثل هذه المساعدة؟ في إطار المناقشات العامة كثيراً ما يسود افتراض بأن هذه المهمة لابد وأن توكل إلى أهل مهنة الطب؟ ويستشهد بعض المعنيين بالأمر أحياناً بالقوانين المنظمة لممارسة مهنة الطب في هولندا والتي تسمح للطبيب بإنهاء حياة مريضه إذا ما طلب ذلك على نحو واضح لا لبس فيه، بشرط التقيد بشروط مسبقة تتصل بالممارسة السليمة. وحتى الآن ما زال القانون يجرم تقديم المساعدة لمن يطلب الموت من قِـبَل غير الأطباء. وفي ظل هذا الإطار الطبي فلا يهم من الناحية الأخلاقية أو القانونية أن نبحث مسألة من بالتحديد سيقدم العقار القاتل للمريض في النهاية: فإذا ما كان الطبيب على صلة وثيقة بالأمر، فليس هناك من الأسباب ما يمنعه من تقديم العقار القاتل بنفسه.

وعلى الرغم من أن بلجيكا قد سلكت طريق هولندا مؤخراً فيما يتصل بتنظيم مسألة قتل من يشكو مرضاً عضالاً في إطار طبي صارم، إلا أن هذا النوع من التنظيمات على وجه التحديد يلقى معارضة متنامية. ولقد أشار الأطباء إلى أنه على الرغم من الأغلبية المتنامية من المواطنين الذين يريدون لهذه الخدمة أن تكون متاحة، إلا أن التعجيل بالموت عمداً ما زال متضارباً على نحو متأصل مع الغايات الأساسية لمهنة الطب.

وفي هذا الإطار فسوف نجد أن قانون "الموت في كرامة" الذي صدر في ولاية أوريجون يثير قدراً كبيراً من التشويق والاهتمام. بطبيعة الحال يستلزم أي تنظيم في هذا المجال بعض المشاركة على الأقل من قِـبَل طبيب، لكن قانون أوريجون يسلم بالمعضلة الأخلاقية الجوهرية التي يواجهها الطبيب حين يجد نفسه مطالباً من قِـبَل مريضه بمساعدته في إنهاء حياته، فيجاهد حتى يظل تورطه في هذه المسألة في أضيق الحدود.

في أوريجون يجوز للطبيب أن يصف لمريضه، الذي يعاني من مرض قاتل غير قابل للشفاء، عقاراً قاتلاً إذا ما طلب منه ذلك، بشرط أن يتمكن الطبيب من تأكيد احتمالات الوفاة بذلك المرض، وقدرة المريض على اتخاذ القرار، وأن يكون قد أبلغ المريض بأي بديل محتمل مثل دُور الرعاية المتخصصة أو الخيارات المتعلقة بسبل السيطرة على الألم أو تخفيفه. ولا يتم إلزام الطبيب بحضور عملية الانتحار، ولا يسمح له بتقديم العقار القاتل.

في أوريجون يقرر المريض على نحو منفصل عن الطبيب مكان وزمان تنفيذ رغبته في الانتحار. وتشارك جمعية "الشفقة في الموت" (Compassion in Dying)، وهي جمعية أهلية غير طبية تناصر حق المريض في الموت، بصفة استشارية في أغلب هذه الحالات.

ومن الجدير بالاهتمام أن البحوث التي أجريت فيما يتصل بتحديد الأسباب التي دفعت هؤلاء الأشخاص الذين طالبوا بالتعجيل بموتهم طبقاً لقانون "الموت بكرامة" في أوريجون قد كشفت أن خشية الألم والأعراض المزعجة الأخرى المصاحبة للمرض لم تكن السبب الرئيسي الذي دفع المرضى إلى هذا الطلب في أغلب الحالات. بل لقد تبين أن الدوافع الأساسية في الحقيقة كانت متصلة بالاستقلال الشخصي، والقدرة على التحكم في المصير، وعدم الرغبة في تشكيل عبء على الأسرة أو الأصدقاء أو القائمين على رعاية المريض.

كما أكدت التطورات الأخيرة في هولندا أن مسألة قتل من يشكو مرضاً عضالاً تطرح للنقاش على نحو أكثر تركيزاً في سياق الاستقلال الشخصي، والتحكم في المصير، والاختيار العقلاني بدلاً من الخضوع لأعراض مرضية لا يمكن السيطرة عليها. ويستند القرار في مثل هذه الحالات في أغلب الظروف إلى اعتبارات شخصية واجتماعية أكثر من استناده إلى اعتبارات طبية.

إذا ما علمنا أن هذا الإطار يمتد إلى ما هو أبعد من أي خبرة طبية، فليس من العجيب أن نرى إحجام أي جمعية طبية في أي مكان من العالم عن تبني القانون الهولندي. وبينما لا تعارض الجمعية الطبية الهولندية دور أهل المهنة في ممارسة عملية قتل من يشكو مرضاً عضالاً، إلا أن الشواهد والأدلة الحالية تشير إلى عزوف الأطباء الهولنديين على نحو مستمر عن إبلاغ السلطات عن الحالات التي تطالب بالمساعدة في الموت، كما تشير إلى عودة الأطباء إلى ممارسات أقرب إلى السياق الطبي مثل التخدير أو التسكين النهائي.

Fake news or real views Learn More

ومن هنا فقد بلغ التوتر في كل مكان حداً عظيماً بين نظرة العامة ونظرة الأطباء إلى احتمال عقد اتفاق في مجال المساعدة على الموت. ونستطيع أن نصف ما يجري في الوقت الحاضر بأنه صراع على السلطة يدور حول من ينبغي أن يكون مسئولاً عن تقديم خدمة أصبحت أعداد متزايدة من الناس تطالب بإتاحتها ولكن في بيئة تفتقر إلى الخبرة المهنية التي قد تضمن اتخاذ القرار السليم. وفي ذات الوقت، فإن اتخاذ أي قرار خاطئ سيترتب عليه حدوث عواقب بعيدة الأثر ولا يمكن علاجها.

لقد قيل إن المساعدة على الموت تشكل عاملاً بالغ الأهمية في النقاش الدائر حول تحديد العناصر المؤلفة للموت المبرر؛ كما تشكل نقطة تركيز فيما يتصل بالعلاقة بين مهنة الطب والمجتمع ككل.