26

ماذا قد يكون الإخفاق التالي في أميركا؟

كمبريدج ــ على الرغم من أن اقتصاد الولايات المتحدة في حالة جيدة ــ في ظل التشغيل الكامل للعمالة ومعدل تضخم قريب من 2% ــ فإن العالَم الذي يتسم بعدم اليقين يجعل من المجدي أن نضع في الحسبان ما قد يحدث من إخفاقات في العام المقبل. فإذا انزلق اقتصاد الولايات المتحدة إلى متاعب خطيرة، فسوف تشهد أوروبا واليابان ودول أخرى عديدة عواقب وخيمة.

بطبيعة الحال، قد تنشأ المشاكل الاقتصادية من أحداث سياسية دولية. فكان سلوك روسيا بالغ الخطورة في أوروبا الشرقية والوسطى. وتعمل ملاحقة الصين لمطالبات إقليمية في بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي، والسياسات التي تنتهجها في شرق آسيا في عموم الأمر، على تغذية حالة من عدم اليقين الإقليمي. وربما تعجل الأحداث في إيطاليا باندلاع أزمة في منطقة اليورو.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

ولكن داخل الولايات المتحدة، يكمن الخطر الأعظم في الانحدار الحاد في أسعار الأصول، والذي من شأنه أن يفرض الضغوط على الأسر والشركات، فيؤدي إلى انهيار الطلب الكلي. وأنا لا أتوقع حدوث هذا السيناريو، ولكن الظروف أصبحت أكثر خطورة مع ارتفاع أسعار الأصول إلى مستويات أبعد وأبعد عن المعايير التاريخية.

الآن أصبحت أسعار الأسهم، إذا ما قيست على أساس نسبة السعر إلى الأرباح لأسهم ستاندرد آند بورز 500، أعلى من المتوسط التاريخي بنحو 60%. وارتفع سِعر سندات الخزانة لثلاثين عاما إلى الحد الذي قد يجعل العائد عليها نحو 2.3%؛ ونظرا لتوقعات التضخم الحالية، فلابد أن يكون العائد حوالي الضِعف. وكانت أسعار العقارات التجارية في ارتفاع بمعدل سنوي بلغ 10% خلال السنوات الخمس الماضية.

تعكس أسعار الأصول المتضخمة هذه السياسة النقدية الشديدة التساهل التي سادت عشر سنوات تقريبا. وفي هذه البيئة التي تتسم بأسعار فائدة شديدة الانخفاض، كان المستثمرون يحاولون الحصول على عائدات من خلال المزايدة على أسعار الأسهم وغيرها من الأصول الاستثمارية. وساعدت الزيادة الناجمة عن هذا في ثروة الأسر في جلب التعافي الاقتصادي؛ ولكن الأصول المبالغ في تقدير قيمتها تعمل على تعزيز بيئة متزايدة الخطورة.

ولكي ندرك مدى خطورة الأمر، فلننظر في هذه الحقائق: تملك الأسر الأميركية الآن 21 تريليون دولار أميركي في هيئة أسهم، وعلى هذا فإن انخفاض أسعار الأسهم بنحو 35% إلى المتوسط التاريخي قد ينطوي على خسارة تتجاوز 7.5 تريليون دولار. وسوف تتكبد صناديق التقاعد وغيرها من الاستثمارات في الأسهم المزيد من الخسائر. وتنطوي عودة عائدات السندات الطويلة الأجل الحقيقية إلى مستواها التاريخي على خسارة للمستثمرين بنحو 30% من سندات الثلاثين عاما، فضلا عن خسائر صغيرة نسبيا للمستثمرين في السندات الأقصر أمدا. ولأن الاستثمارات في العقارات التجارية تعتمد بكثافة على الاستدانة في عموم الأمر، فقد تُفضي حتى الانحدارات الصغيرة نسبيا في الأسعار إلى تكبيد المستثمرين خسائر كبيرة.

إن انخفاض ثروات الأسر من شأنه أن يؤدي إلى تقليص الإنفاق وتراجع الناتج المحلي الإجمالي. وتشير قاعدة تجريبية تقريبية إلى أن كل انحدار بنحو 100 دولار أميركي في الثروة يؤدي إلى انخفاض بنحو 4 دولارات في إنفاق الأسر. وعلى هذا فإن عودة أسعار الأصول إلى مستوياتها التاريخية تعني ضمنا انحدارا بنحو 400 مليار دولار في الإنفاق الاستهلاكي، وهو ما يعادل نحو 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وقد يُفضي هذا إلى بدء عملية من الانحدارات المعززة تبادليا في الدخول والإنفاق، فيؤدي هذا إلى نشوء تأثير تراكمي أعظم على الناتج المحلي الإجمالي.

ولأن المستثمرين المؤسسيين يستجيبون للفوارق الدولية في أسعار الأصول وعائدات الأصول، فإن الانخفاضات الكبيرة في أسعار الأصول في الولايات المتحدة تقابلها انخفاضات مماثلة في أسعار الأصول في دول متقدمة أخرى. ومن شأن انخفاضات الأسعار على هذا النحو أن تؤدي إلى تقليص الدخول والإنفاق في دول أخرى، مع انتشار التأثير عالميا من خلال تضاؤل الواردات والصادرات.

ينبغي لي أن أؤكد على أن عملية تراجع أسعار الأصول وما ينجم عنها من انكماش في النشاط الاقتصادي تعبر عن خطر وليس تكهن. فمن المحتمل أن تنخفض أسعار الأصول تدريجيا، وهو ما يعني تباطؤ وليس انهيار الإنفاق والنشاط الاقتصادي.

بيد أن الخوف من التسبب في انخفاض سريع في أسعار الأصول يُعَد واحدا من الأسباب الرئيسية وراء عزوف بنك الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة عن رفع أسعار الفائدة القصيرة الأجل بسرعة أكبر. فقد رفع بنك الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة لليلة واحدة بما لا يتجاوز 0.25% في ديسمبر/كانون الأول 2015، ومن المرجح أن يضيف 25 نقطة أساس أخرى في ديسمبر 2016. ولكن هذا سوف يجعل سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية رغم ذلك عند مستوى أقل من 1%. ومع اقتراب معدل التضخم من 2%، فسوف تظل أسعار الفائدة الحقيقية على الأموال الفيدرالية سلبية.

الواقع أن المشاركين في السوق يراقبون بنك الاحتياطي الفيدرالي في انتظار قراره حول توقيت بدء عملية تطبيع أسعار الفائدة. وتشير التجربة التاريخية ضمنا إلى أن التطبيع من شأنه أن يرفع أسعار الفائدة الطويلة الأجل بنحو نقطتين مئويتين، مما يعجل بتصحيحات كبيرة في أسعار السندات والأسهم والعقارات التجارية. وعلى هذا فإن بنك الاحتياطي الفيدرالي يحاول تثبيط التوقعات بشأن مستويات أسعار الفائدة في المستقبل، من خلال الإيحاء بأن التغييرات الطارئة على التركيبة السكانية واتجاهات الإنتاجية تعني ضمنا انخفاض أسعار الفائدة الحقيقية في المستقبل.

Fake news or real views Learn More

إذا نجح بنك الاحتياطي الفيدرالي فقد يتضاءل الانخفاض في أسعار الأصول. ولكن لا ينبغي لنا أن نتجاهل خطر الانخفاضات الحادة في أسعار الأصول والتي تعجل بالانكماش الاقتصادي.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel