4

توظيف مدخرات آسيا في آسيا

هونج كونج ــ على مدار أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، شهدت آسيا نموا اقتصاديا أسرع من أي منطقة أخرى. ومع تطورها، كانت آسيا تُصَدِّر مدخراتها، من خلال الفائض التجاري مع الولايات المتحدة، ثم تعيد استيرادها في هيئة استثمارات مباشرة ومحافظ استثمارية عبر نيويورك ولندن ــ وهي العملية التي خلقت توترات مالية شديدة، ولكنها كانت موضع تجاهل إلى حد كبير.

في نهاية عام 2015، كان مجموع صافي موقف الأصول لدى الصين وهونج كونج واليابان وكوريا وسنغافورة وتايوان نحو 7.3 تريليون دولار أميركي ــ وهو ما يكاد يعادل بالضبط صافي ديون الاستثمار الدولية المستحقة على الولايات المتحدة. ومن غير المرجح أن يختفي هذا الاختلال في التوازن في أي وقت قريب. الواقع أن صافي ديون الولايات المتحدة ارتفع مؤخرا ــ إلى 7.8 تريليون دولار في نهاية سبتمبر/أيلول 2016 ــ وهو ما يرجع إلى حد كبير إلى استمرار عجز الحساب الجاري والتأثيرات المترتبة على سعر الصرف الأقوى.

ولكن لماذا لا تستثمر الدول الآسيوية مدخراتها داخل منطقتها؟ من بين الأسباب الواضحة أن الولايات المتحدة تهيمن على التمويل العالمي، وخاصة في أسواق رأس المال والعملة. وفي دراسة أجريت في عام 2005، زعم بيير أوليفييه جورينشاس وهيلين راي أن الولايات المتحدة، التي كانت ذات يوم تلعب دور مصرفي العالم، أصبحت تلعب دور رأسمالي المشروعات العالمي الذي يستثمر على المستوى الدولي، وخاصة في آسيا، بدلا من الاكتفاء بالاقتراض والإقراض.

ولكن هذا لا يعني أن الدول الآسيوية أفضل حالا بالاستثمار في الغرب ــ وخاصة بسبب تجارة الحمل (تجارة فرق المعدلات) التي ترسخت بعد الأزمة المالية في عام 2008. وكما زعم هيون شين وغيره من خبراء الاقتصاد في بنك التسويات الدولية، كانت أسعار الفائدة المنخفضة في الدول المتقدمة وضَعف الدولار من الأسباب التي دفعت الأسواق المالية، بقيادة المركزين الرئيسيين في نيويورك ولندن، لاقتراض المال بالعملات ذات أسعار الفائدة المنخفضة والاستثمار في العملات ذات أسعار الفائدة الأعلى.

وقد خلفت هذه اللعبة المالية تأثيرا بعيد المدى. ففي حين كان الرأي التقليدي يشير إلى أن اختلالات التوازن التجارية تدفع أسعار الصرف وتدفقات رأس المال، تنبئنا المحاسبة المالية في اليابان على سبيل المثال بقصة مختلفة.

في الفترة من عام 2010 إلى 2015، كان الفائض الخارجي التراكمي يمثل 44% فقط من صافي التغيير في موقف الاستثمارات في اليابان. وكان نحو 32% من ذلك التغيير راجعا إلى معاملات الحسابات المالية، في حين مثلت تغيرات التقييم المتعلقة بأسعار الصرف والفائدة البقية.

وكان المفترض أن تعمل فوائض الحساب الجاري المستمرة لدى اليابان على تعزيز مواقف أصولها الدولية الصافية. ولكن بفضل ارتفاع قيمة الحيازات الأجنبية من الأسهم اليابانية، تدهور موقف صافي الأصول الدولية لدى اليابان في واقع الأمر، من ذروة بلغت 3.8 تريليون دولار أميركي في نهاية عام 2012 إلى 2.8 تريليون دولار في نهاية عام 2015. وكما يشير خبراء الاقتصاد في بنك اليابان، تُعَد الحيازات اليابانية من الأصول الأجنبية أقل ربحية من الحيازات الأجنبية من الأصول اليابانية.

وينبغي لليابان أن تعمل على زيادة الاستثمار في آسيا المرتفعة النمو. ففي نهاية عام 2015، تبقى 10.1% فقط من 574.8 تريليون ين ياباني (4.8 تريليون دولار أميركي) من الاستثمار الخارجي الإجمالي في آسيا، في حين ذهب نحو 70% إلى أميركا الشمالية وأوروبا وأوقيانوسيا.

وكان تكوين استثمارات المحافظ اليابانية، التي شملت 73.6% من إجمالي الاستثمارات الخارجية للبلاد في نهاية عام 2015، أكثر تفاوتا، مع استثمار 3.5% فقط في آسيا ونحو 72.4% في أميركا الشمالية وأوروبا وأوقيانوسيا. وتلقت حتى أميركا الوسطى واللاتينية من استثمارات المحافظ اليابانية ثلثا زيادة على ما تلقته آسيا.

الواقع أن تفضيل الاستثمار خارج آسيا أمر مشترك بين الدول المدخرة الرئيسية الأخرى في المنطقة ــ وعلى وجه التحديد الصين وهونج كونج وكوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة ــ حتى برغم أن العائدات داخل آسيا أعلى عادة من أي مكان آخر. ونتيجة لهذا، أصبحت المنطقة رهينة للتقلبات في تدفقات رأس المال، وأسعار الصرف، وأسعار الفائدة.

المشكلة هي أنه بعد مرور عشرين عاما منذ اندلعت الأزمة المالية الآسيوية، لم يتحقق تقدم يُذكَر في ما يتصل بإضفاء الطابع المؤسسي على الوساطات المالية الآسيوية التي من شأنها توجيه المدخرات إلى المشاريع ذات العوائد الأعلى داخل المنطقة. ففي الهند على سبيل المثال، سنجد أن البنوك الاستثمارية العشرة الأكبر العاملة هناك تنتمي إلى الولايات المتحدة وأوروبا، حيث تسجل المؤسسات الاستثمارية المحلية نموا سريعا، وتظل القدرة محدودة على توجيه الأموال إلى القطاع الحقيقي حيث العوائد المرتفعة.

والآن وقد بدأت البنوك الأميركية والأوروبية ــ مدفوعة بضوابط رأس المال والقيود التنظيمية، فضلا عن احتمالات ارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة وارتفاع قيمة الدولار ــ في الانتقال بعيدا عن آسيا، أصبحت الضغوط الرامية لمعالجة الموقف أقوى من أي وقت مضى. ولكن بدلا من دعم قدرة المؤسسات المالية الآسيوية على تولي وساطة المدخرات في المنطقة، تركز الهيئات التنظيمية المالية الآسيوية على تبني المعايير التنظيمية المالية العالمية الجديدة التي تدفع بها الهيئات التنظيمية الأميركية والأوروبية ــ وهي المعايير التي يهدد الساسة الأميركيون والأوروبيون الآن بحلها.

وتتعاظم حتمية تغيير هذا النهج بفِعل عقيدة الرئيس الأميركي دونالد ترامب "أميركا أولا"، التي يكاد يكون من المؤكد أنها ستترجم إلى سياسات الحماية. وسوف تدفع مثل هذه السياسات الاستثمار الآسيوي إلى المزيد من التورط في فخ الدولار، لأن المدخرات الآسيوية سوف تُستَخدَم لمطاردة أصول المضاربة المقومة بالدولار خارج المنطقة، بدلا من تلبية احتياجات آسيا ذاتها.

من المؤكد أن مبادرة "حزام واحد، طريق واحد" الصينية من شأنها أن تساعد في الأمد البعيد، جنبا إلى جنب مع تدويل الرنمينبي، في إضعاف قبضة الدولار على آسيا. ولكن هذا يظل احتمالا بعيدا في المستقبل.

من ناحية أخرى، يتعين على البنوك المركزية في اقتصادات الفائض الكبرى في آسيا (وخاصة الصين واليابان) أن تعمل مع البنوك المركزية الكبرى الأخرى (وخاصة البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا) على تغيير كيفية استخدام المدخرات الفائضة في المناطق المرتفعة النمو. ولابد أن يكون الهدف ضمان الحِكمة في استخدام المدخرات في دول الفائض ــ بما في ذلك ألمانيا على سبيل المثال، والتي تحتفظ بفائض في الحساب الجاري أكبر من الفائض لدى الصين واليابان ــ للمساعدة في دعم النمو في مختلف قطاعات الاقتصاد العالمي.

ربما تبدو خطة ترامب التي تقضي بوضع أميركا أولا واضحة ومباشرة. ولكنها تفشل في إدراك حقيقة مفادها أن الخسارة ستعم على الجميع إذا تعثرت الاقتصادات الناشئة. ومع عزوف ترامب كما يبدو عن إعادة النظر في هذا النهج، فلابد أن تستعد أسيا وشركاؤها الدوليون ــ والاقتصاد العالمي بأسره ــ لما هو آت.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali