South Korean foreign dealers at the Korea Exchange Bank  Chung Sung-Jun/Getty Images

البنوك المركزية في آسيا وضرورة الاستعداد لرفع أسعار الفائدة

سيول ــ تستعد الأسواق المالية في مختلف أنحاء آسيا لاقتصاد إيجابي معتدل في عام 2018 ــ اقتصاد ليس ساخنا أو باردا أكثر مما ينبغي، ومدعوم بنمو قوي وأسعار مستقرة. تستفيد الاقتصادات الناشئة الموجهة نحو التصدير في المنطقة من تعافي التجارة العالمية، في حين تظل أكبر القوى في المنطقة ــ الصين واليابان والهند ــ على ديناميكيتها. وفي مختلف أنحاء المنطقة، يساعد تسارع النمو الاقتصادي، جنبا إلى جنب مع توقعات أرباح الشركات الإيجابية وتدفقات رأس المال المستمرة، في دفع أسعار الأسهم إلى الارتفاع. وسوف يظل التضخم تحت السيطرة، وهو ما يرجع إلى حد كبير إلى تباطؤ ارتفاع الأجور وأسعار الواردات.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

ومع ذلك يظل هناك العديد من الأسباب الداعية للقلق. على سبيل المثال، سوف تواجه الأسواق الآسيوية بكل تأكيد تقلبات في تدفقات رأس المال، مدفوعة بالسياسات النقدية التي تنتهجها الاقتصادات المتقدمة الكبرى. وربما تعمل الديون الضخمة على زيادة المخاطر المالية في بعض الاقتصادات الآسيوية، مما يضر بآفاق النمو. وسوف تكون البنوك المركزية في المنطقة جزءا لا يتجزأ من إدارة هذه المخاطر.

في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية، اضطلعت البنوك المركزية في آسيا، مثل نظيراتها في الاقتصادات المتقدمة، بدور رائد في دعم النمو المحلي. ولكن مع اكتساب التعافي الاقتصادي العالمي مزيدا من الزخم، آن الأوان للبدء في تشديد وإحكام السياسة النقدية.

وقد بدأت البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة الكبرى تسلك هذا الطريق بالفعل. فالآن يتحرك البنك المركزي الأوروبي، وبنك إنجلترا، وبنك اليابان، نحو كبح جِماح دفاتر الموازنة المتضخمة ورفع أسعار الفائدة. ولكن بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي هو الذي يقود الطريق.

مع انخفاض نمو الأجور واستمرار التضخم على ضعفه بفعل أسعار المستهلك، من المرجح أن يواصل بنك الاحتياطي الفيدرالي ملاحقة الزيادات التدريجية في أسعار الفائدة. ولكن إذا أدت التخفيضات الضريبية التي أقرها مؤخرا الرئيس دونالد ترمب والجمهوريون في الكونجرس، كما هو مرجح، إلى تسارع النمو الاقتصادي ونمو الأسعار بالقدر الكافي لزيادة خطر فرط النشاط الاقتصادي، فسوف يحتاج بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى العمل بشكل أكثر حزما.

وسوف يخلف هذا التشديد النقدي الواسع النطاق تأثيرا عميقا على الاقتصادات الناشئة في آسيا، التي تتمتع بدرجة كبيرة من الاندماج في الأسواق العالمية، وهي بالتالي مفتوحة أمام تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية. وبشكل خاص، من المرجح أن تؤدي التغيرات في ظروف السيولة العالمية إلى إحداث تقلبات في الأسواق المالية وأسواق النقد الأجنبي في آسيا، وهذا من شأنه أن يزيد من الضغوط لمواكبة زيادات أسعار الفائدة في الاقتصادات المتقدمة.

من المؤكد أن بعض الاقتصاديين ما زالوا يزعمون أن البنوك المركزية في آسيا ينبغي لها أن تبقي على أسعار الفائدة منخفضة، نظرا لاستمرار التضخم الضعيف. وهم يخشون، في وقت حيث لا تزال أسر وشركات عديدة مثقلة بالديون، أن تتسبب زيادة حادة في أسعار الفائدة في تقويض الاستهلاك والاستثمار، بل وربما إعاقة النمو الاقتصادي.

لكن الحقيقة هي أن الديون الضخمة والأصول الخطرة المقومة بأكبر من قيمتها الحقيقية كانت نتيجة للتوسع النقدي المستدام. وإذا استمرت البنوك المركزية في تأجيل زيادات أسعار الفائدة لفترة أطول، فربما تنشأ فقاعات الأصول ــ ليس فقط في أسواق الأسهم والإسكان، ولكن أيضا في سوق العملات الافتراضية ــ وهو ما قد يؤدي إلى اندلاع أزمة مالية أخرى.

أفضل طريقة لتجنب مثل هذه النتيجة هي أن تعمل الاقتصادات الآسيوية الناشئة على زيادة أسعار الفائدة تدريجيا وعلى نحو يمكن التنبؤ به. ولا يعني هذا أن البنوك المركزية في آسيا ينبغي لها أن تنحني ببساطة للضغوط الخارجية. بل ينبغي لكل بنك مركزي أن يلاحق تطبيع السياسة النقدية بمعدل يتناسب مع حماية استقرار الاقتصاد الكلي دون الإضرار بالنشاط الاقتصادي المحلي.

الخبر السار هنا هو أن البنوك المركزية في آسيا تدرك هذه الحقيقة، وهي تتحرك بالفعل نحو إحكام السياسة النقدية، حيث يتقدم بنك كوريا الطريق. في الثلاثين من نوفمبر/تشرين الثاني، وعلى خلفية التراكم السريع لديون الأسر والتشوهات في تخصيص رأس المال، قرر بنك كوريا زيادة أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، بعد الانخفاض غير المسبوق إلى مستوى 1.25%.

ومن المتوقع أن تفعل الشيء نفسه السلطات النقدية في دول مثل ماليزيا، وتايوان، والفلبين، مع توقيت زيادات أسعار الفائدة وفقا للظروف الاقتصادية في كل دولة. وفي الصين أيضا، سوف يكون إحكام السياسة النقدية مطلوبا للتخلص من السيولة الزائدة والحد من الروافع المالية. وإلا فإن الصين، وفقا لمحافظ بنك الشعب الصيني تشو شياو تشوان، ربما تواجه "لحظة مينسكي"، حيث يُتَوَّج الإفراط في التفاؤل والاستثمار الممول بالدين بأزمة مالية.

والعقبة الرئيسية المحتملة في هذه العملية سياسية: فلأن أسعار الفائدة الشديدة الانخفاض ترقى إلى شكل سهل من أشكال التحفيز الاقتصادي ــ أسهل كثيرا من إصلاحات العمل أو الإصلاحات الضريبية أو التنظيمية، على سبيل المثال ــ فربما يفرض الساسة الضغوط على البنوك المركزية لتأخير رفع أسعار الفائدة. لكن البنوك المركزية، التي ترتكن إلى استقلالها الذي نالته بشق الأنفس، لا يجب أن تستسلم أبدا. ورغم أن السياسة النقدية النشطة المستخدمة منذ الأزمة الاقتصادية العالمية دفعت بعض المراقبين إلى التشكيك في استقلالية البنوك المركزية، فإن التفريط في استقلالها في سبيل تعزيز المساءلة السياسية يرقى إلى "القضاء على الطيب للتخلص من الخبيث"، على حد تعبير باري آيكنجرين.

قد لا تكون مقاومة الساسة أمرا سهلا بالنسبة للقائمين على البنوك المركزية، خاصة وأن محافظي البنوك المركزية في العديد من الدول (بما في ذلك الصين، وإندونيسيا، واليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان) من المقرر أن يستبدلوا أو يُعاد تعيينهم في الأشهر المقبلة. وسوف يحتاج القادة الجدد إلى شغل مواقعهم بثقة، والثبات في اتخاذ القرار في مواجهة عدم اليقين الواسع النطاق.

ومع ذلك، لا ينبغي تحميل القائمين على البنوك المركزية وحدهم المسؤولية عن دعم التضخم المنخفض المستقر والحفاظ على الاستقرار المالي. ولا يمكننا بكل تأكيد أن نتوقع منهم أن يدفعوا عجلة خلق فرص العمل ونمو الناتج في الأمد البعيد. ولهذا السبب، يتعين عليهم أن يتعاونوا مع صناع السياسات، بما في ذلك السلطات المالية والهيئات التنظيمية المالية، لضمان المزيج الصحيح من السياسة النقدية والسياسة المالية، فضلا عن الإصلاح البنيوي.

بعد مرور عشر سنوات منذ بدأت الأزمة الاقتصادية العالمية، أصبح الاقتصاد العالمي على المسار الصحيح نحو الحالة الطبيعية ــ وهو المسار الذي يتطلب إحكام السياسة النقدية تدريجيا في آسيا والغرب على حد سواء. والآن، يعود الأمر للبنوك المركزية لتلبية هذا الطلب، دون التسبب في تعطيل التعافي.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/QTOeKT9/ar;

Handpicked to read next