Egyptians hold candles at a vigil Mohamed El-Shahed/Getty Images

كيف يتجنب العالَم العربي السقوط في الهاوية؟

القاهرة ــ كشفت سلسلة من الأحداث المروعة التي شهدها نوفمبر/تشرين الثاني عن الحال المزرية التي انتهى إليها العالَم العربي. فقد أعلن رئيس الوزراء اللبناني استقالته من خارج لبنان، ولكنه تراجع عن تصريحه في وقت لاحق. كما أُطلِق صاروخ من اليمن باتجاه الرياض، عاصمة المملكة العربية السعودية. ونفذت القيادة السعودية حملة كبرى لمكافحة الفساد والتي أثرت على عشرات الشخصيات البارزة. وفي الوقت نفسه، شهدت مِصر أسوأ هجوم إرهابي في الذاكرة الحية، والذي أسفر عن مقتل أكثر من 300 مدني فضلا عن عشرات المصابين. وأكَّدَت مقاطع الفيديو لمزادات بيع العبيد المزعومة في ليبيا على الفوضى المستمرة هناك وسط انهيار كامل للدولة الليبية.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

لم تفعل الانتصارات العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية والتقارب بين الفصائل الفلسطينية في غزة والضفة الغربية شيئا يُذكَر لتخفيف الشعور الجمعي بالقلق في المنطقة. ولم تُلهِم هذه التطورات الإيجابية الثقة في قدرة العالَم العربي على سحب نفسه على نحو أو آخر بعيدا عن حافة الهاوية. فقد أصبح التدخل الأجنبي ممارسة روتينية في سوريا ولبنان والعراق واليمن. وتأتي المناقشات الجارية حول سياسات الهوية والحدود في بلاد الشام كمقدمة لتحديات جوهرية بالغة الخطورة في المستقبل.

الواقع أن الوضع القائم في الشرق الأوسط الآن ليس مفاجئا. ففي السنوات الأخيرة، لم تُقدِم أي دولة عربية على قيادة أي محاولة لحل الصراعات الجارية في ليبيا وسوريا واليمن، ناهيك عن معالجة القضية الفلسطينية الإسرائيلية. وكان تأثير الأجانب على الكثير من هذه الصراعات أعظم كثيرا من تأثير العرب عليها.

تاريخيا، كانت منطقة الشرق الأوسط هدفا للعديد من الغزوات الأجنبية، من الحملات الصليبية إلى الاستعمار الأوروبي. وقد اغتُصِبَت موارد المنطقة الطبيعية بكل شراهة وجشع، وكانت مسرحا لحروب بالوكالة خلال فترة الحرب الباردة. وحتى يومنا هذا، لا تزال أراض عربية تحت الاحتلال.

ولكن على الرغم من الأسباب الوفيرة التي تبرر إلقاء اللوم على قوى أجنبية عن الأوضاع الخطيرة في المنطقة، فإن إلقاء اللوم على آخرين ــ أو حتى تبادل الاتهامات ــ لن يحل أي شيء. ذلك أن العالَم العربي يعاني من مشاكل عديدة محلية المنشأ أيضا، بما ذلك الحكم العاجز العقيم، والتحالفات الشريرة، والقدرات الوطنية غير المستثمرة.

تقبع الكوارث في انتظار أي منطقة عاجزة عن تشكيل مستقبلها بنفسها، حيث يشعر أغلبية المواطنين بالحرمان من حقوقهم. ورغم أن العالَم العربي يشتهر تقليديا بأنه محافظ، فإن ما يقرب من 70% من مواطنيه دون سن الخامسة والثلاثين، ويعاني الشباب من أعلى معدلات البطالة في أغلب الدول. ولا تُعَد هذه الحال إهدارا هائلا للموارد فحسب، بل وتفرض أيضا مشكلة اجتماعية سياسية طويلة الأجل وبالغة الخطورة. ولكنها مع ذلك ليست سوى أحد التحديات المحلية العديدة التي تواجه المنطقة.

يتعين على العرب أن يتحملوا المسؤولية عن إدارة أجندتهم بأنفسهم، وأن يصبحوا القوة الأساسية التي تحدد مستقبلهم ومستقبل أوطانهم. وينبغي لهم بطبيعة الحال أن يواصلوا العمل مع العالَم الخارجي وتعزيز علاقاتهم وتحالفاتهم الاستراتيجية. ولكن يتعين عليهم أيضا أن يحدوا من اعتمادهم على آخرين.

فبادئ ذي بدء، تحتاج حكومات المنطقة إلى تطوير قدراتها في مجال الأمن الوطني، للدفاع عن نفسها ضد تهديدات غير وجودية والتوسعية المهيمنة. وهذا بدوره كفيل بتعزيز نفوذهم السياسي ومنحهم المزيد من الأدوات الدبلوماسية لمعالجة المشاكل الإقليمية ومنع الصراعات العسكرية.

علاوة على ذلك، يتعين على العرب أن يدافعوا عن هوياتهم الوطنية. صحيح أن نظام الدولة القومية في الشرق الأوسط ليس مثاليا، ولكنه أفضل من الطائفية الدينية أو العِرقية، التي تهدد بالمزيد من زعزعة الاستقرار في المنطقة. ولتجنب هذه النتيجة، تحتاج الدول القومية في المنطقة إلى مؤسسات قوية لتوفير الحكم الصالح الفعّال والشمول الاجتماعي. ولكن من المؤسف أن أغلب المؤسسات في الدول العربية لا تقترب حتى من القدرة على الوفاء بهذه الضرورة الحتمية.

استشرافا للمستقبل، ينبغي للعرب أن يدركوا أن الإصلاح الداخلي هو أفضل وسيلة لمنع التدخل الأجنبي والدفاع عن المصالح الوطنية. فقد كشفت الصحوات العربية على مدار السنوات القليلة المنصرمة عن طبقة متوسطة ذات توجهات وسطية وتتوق إلى التغيير. وقد حاولت أحزاب انتهازية الاستفادة من البيئة المضطربة الناجمة عن التغيير الفجائي. ولكن هذا لا ينفي حقيقة مفادها أن هذه الحركات كانت استجابة لحكم أبدي رديء وفشل القادة العرب في ملاحقة الإصلاح التدريجي.

يحتاج العرب أيضا إلى إعطاء أنفسهم مجموعة أكبر من الخيارات الاقتصادية والسياسية والأمنية، حتى يتسنى لهم التكيف مع الظروف المتغيرة. فلم يَعُد العالَم مكانا ثنائي القطبية أو أوروبي التوجه. الواقع أن حتى نظام دولة ويستفاليا ذاته، وليس فقط النموذج الجيوسياسي الذي ساد في فترة ما بعد الحرب، هو الذي يخضع الآن للاختبار في مواجهة تغيرات تكنولوجية واقتصادية واجتماعية سريعة.

أخيرا، يتعين على العالَم العربي أن يواجه مواقف الهيمنة الإقليمية والاحتلال غير المشروع للأراضي العربية. ولابد أن يحترم أي حل للمشاكل الحالية تطلعات الناس لاستقلال الدولة وسيادتها، في حين يتجاوز الأساليب التكتيكية أو القائمة على الصفقات والتي لا توفر سوى انفراجات قصيرة الأمد. وفي نهاية المطاف، لن تتمكن أي سياسة تتقاعس عن حماية الحقوق الأساسية من إحراز النجاح.

الواقع أن الدول العربية، فرادى ومجتمعة، تحتاج إلى استراتيجية مصممة بالكامل لمواجهة التهديدات الأجنبية والمحلية الوجودية لسيادتها وأمنها في السنوات المقبلة. فقد آن الأوان لأن يضع القادة العرب الخطوط العريضة لرؤية واضحة للعلاقات العربية في المستقبل، وأن يخططوا للتواصل مع جيرانهم من غير العرب بشأن الفرص والتحديات الإقليمية. وأخيرا وليس آخرا، يتعين على القادة العرب أن يوضحوا كيف يعتزمون توفير إدارة محلية أفضل لشعوبهم.

إذا كان العالَم العربي راغبا في الإدلاء بدلوه في صياغة وتشكيل مستقبله، فلا يجوز له أن يظل على استسلامه لحالة الرضا عن الذات في الوقت الحاضر. ويتعين على القادة والشعوب أن يشرعوا في التخطيط الآن.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/CXq71Zq/ar;

Handpicked to read next

  1. Chris J Ratcliffe/Getty Images

    The Brexit Surrender

    European Union leaders meeting in Brussels have given the go-ahead to talks with Britain on post-Brexit trade relations. But, as European Council President Donald Tusk has said, the most difficult challenge – forging a workable deal that secures broad political support on both sides – still lies ahead.

  2. The Great US Tax Debate

    ROBERT J. BARRO vs. JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS on the impact of the GOP tax  overhaul.


    • Congressional Republicans are finalizing a tax-reform package that will reshape the business environment by lowering the corporate-tax rate and overhauling deductions. 

    • But will the plan's far-reaching changes provide the boost to investment and growth that its backers promise?


    ROBERT J. BARRO | How US Corporate Tax Reform Will Boost Growth

    JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS | Robert Barro's Tax Reform Advocacy: A Response

  3. Murdoch's Last Stand?

    Rupert Murdoch’s sale of 21st Century Fox’s entertainment assets to Disney for $66 billion may mark the end of the media mogul’s career, which will long be remembered for its corrosive effect on democratic discourse on both sides of the Atlantic. 

    From enabling the rise of Donald Trump to hacking the telephone of a murdered British schoolgirl, Murdoch’s media empire has staked its success on stoking populist rage.

  4. Bank of England Leon Neal/Getty Images

    The Dangerous Delusion of Price Stability

    Since the hyperinflation of the 1970s, which central banks were right to combat by whatever means necessary, maintaining positive but low inflation has become a monetary-policy obsession. But, because the world economy has changed dramatically since then, central bankers have started to miss the monetary-policy forest for the trees.

  5. Harvard’s Jeffrey Frankel Measures the GOP’s Tax Plan

    Jeffrey Frankel, a professor at Harvard University’s Kennedy School of Government and a former member of President Bill Clinton’s Council of Economic Advisers, outlines the five criteria he uses to judge the efficacy of tax reform efforts. And in his view, the US Republicans’ most recent offering fails miserably.

  6. A box containing viles of human embryonic Stem Cell cultures Sandy Huffaker/Getty Images

    The Holy Grail of Genetic Engineering

    CRISPR-Cas – a gene-editing technique that is far more precise and efficient than any that has come before it – is poised to change the world. But ensuring that those changes are positive – helping to fight tumors and mosquito-borne illnesses, for example – will require scientists to apply the utmost caution.

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now